من وحى العائله : الامن يمنع سيده عجوز من الإستماع للقداسات
غالباً ما يهتم الإنسان بحسب طبيعته البشرية بشئونه الخاصة ويقدمها عن الشئون العامة، فيهتم أولاً بمحاولة إيجاد الحلول لمشاكله الخاصة ومنغصات حياته ثم يتحول - إذا ما فرغ منها – إلى المشاكل العامة، هذه هي الفطرة الإنسانية التي قلما وجدت لها استثناء.
وأغلب الظن أن أكثر من فطن إلى تلك الطبيعة البشرية هي الأنظمة الاستبدادية في الدول النامية - أو بالأحرى غير النامية - من دول العالم الثالث، حيث استغلت الأنظمة تلك الفطرة الإنسانية أفضل استغلال فعملت دائماً على محاصرة أفراد هذه الدول بالهموم الشخصية من صعوبة الحصول على لقمة العيش نتيجة قلة الدخل أو انعدامه، إلى صعوبة الحصول على مستوى تعليمي جيد ورعاية صحية جيدة، بمعنى آخر انعدام سبل الحصول على ضروريات المعيشة، فما بالك بالكماليات.
والهدف من هذا واضح، تدركه فوراً إذا تحدثت مع أي رجل بسيط عن الانتخابات.
مثلاً! غالباً ما سيظن هذا الرجل أن هناك مساً من الجنون قد أصابك أو على الأقل أنك مترف و(مش عايش في الدنيا) وسيبدأ في الحديث عن عشرات المشاكل التي تواجهه والتي تشغل باله وتهمه (ألف مرة) أكثر من الانتخابات وفي النهاية ستجد كلامه مقنعاً وستخجل من أن تكلمه مرة أخرى عن الانتماء والواجب الوطني! وفى النهاية ستظل شعوب تلك الدول غارقة في دوامة لقمة العيش ومحاولة الحصول على الحد الأدنى من ضروريات المعيشة غير عابئة بما يحدث في قمة الهرم، وبهذا تكون الأنظمة قد ربحت لعبتها و(حسبتها صح).
إلا أن ما لم تضعه تلك الأنظمة في الاعتبار هي لحظة التحول، فحينما يدرك الفرد أن مشاكله الشخصية هي نفسها المشاكل العامة وأن مثلث الجهل – الفقر – المرض الذي يعيش داخل أضلاعه هو من إبداع حكامه! لحظتها لا يمكن التنبؤ بردة فعل الشعوب، وإن كانت الأنظمة لا زالت تراهن على استكانة الشعوب وقناعتهم المرضية بأوضاعهم الحالية مهما كانت مأساوية ولا أخفي عليكم سراً أنها في هذا قد كسبت رهانها.. حتى الآن.
تلك المقدمة كانت ضرورية لما أنا مقدم في سرده من موضوع شخصي جداً ولكنه من نوعية المواضيع الشخصية العامة التي تعبر عن مأساة كبرى من مآسي الحياة التي من كثرتها ومن اعتيادنا عليها - لم نعد نلاحظ وجودها وأن لاحظنا فلا نستوعب ضخامتها.
أما السيدة العجوز والتي أشرت إليها في العنوان فهي جدتي التي تجاوزت عامها الرابع والثمانين حيث لم تعد تقوى منذ سنوات على الخروج من المنزل…
يومها في المنزل كان بسيطاً فهي تستيقظ دائماً في الصباح الباكر قبل أي أحد في المنزل، تتوجه إلى المذياع الصغير الذي نملكه وتضبط المؤشر على تردد بث الكنيسة القريبة من منزلنا على موجات الـ(fm)، لتستمع إلى القداس الإلهي بكل هدوء وخشوع، لم تكن تستمع في الحقيقة بل كانت تصلي معه وكأنها في الكنيسة بل أنها حتى كانت تأتي إلى كل فرد في المنزل - حين يصل القداس إلى جزء (قبلوا بعضكم بعضاً بقبلة مقدسة) - مادة يديها بكل بساطه إلينا وكأن البيت قد تحول فجأة - في عينيها - إلى كنيسة! كانت سعيدة لأنها لم تشعر قط أنها انقطعت عن الذهاب إلى الكنيسة حيث كانت تعيش معها كل صباح…
ذات صباح استيقظت من نومي على هدوء لم اعتده، توجهت إلى جدتي وتساءلت عن سبب إغلاقها للمذياع، فوجدتها واجمة، شاردة، في عينيها حزن واكتئاب وهي تخبرني إن التردد الذي كانت تستخدمه الكنيسة لم يعد يصدر إلا خواءاً رهيباً، طمأنتها أنه لا بد وأن هناك عطلاً بسيطاً وأن الأمور ستعود إلى طبيعتها قربياً…
هذا ما ظننته!
توجهت إلى التليفون وطلبت رقم الكنيسة وتساءلت عما هنالك وجاءتني الصدمة في الإجابة، فلقد أمر الباشا مدير الأمن الجديد بوقف بث القداسات والصلوات الكنسية على موجات الـ(fm)(لجميع كنائس الإسكندرية)!
- لماذا؟؟
- قال لدواعي أمنية!
- وما هي تلك الدواعي الأمنية؟؟
- قال إنه يخشى من أن تستخدم تلك الخدمة لأغراض تبشرية!
- أغراض تبشيرية لمن؟
- أكيد للمسلمين طبعاً
- ولماذا يستمع المسلمين إلى صلاتنا من الأصل؟
- قال إن "البعض" اتصل وعبر عن انزعاجه مما تبثه الكنائس وهو يخشى من العواقب (عشان البلد مش ناقصة)
(مش ناقصة إيه؟) وما هي تلك العواقب؟
- ……………………… !!
- ولماذا لا يدير المسلمون المؤشر فحسب عندما لا يريدون أن يستمعوا إلى صلاتنا وتنتهي المشكلة إن كانت هناك واحده؟؟؟
- …………………………!!
شكرته وأغلقت الاتصال، ولم أدري ماذا أقول لجدتي التي كانت تنتظر خبراً سعيداً من تلك المكالمة…
- جلست أفكر فيما قاله لي العامل في الكنيسة نقلاً عن أجهزة الأمن..
- أية أغراض تبشيرية تلك التي يتحدثون عنها؟؟ ونحن محاطون بكل ما هو إسلامي في الدراسة، العمل، الشارع، وسائل المواصلات العامة والخاصة، دورات المياه وحتى في المنزل حينما تفتح التليفزيون على أي قناة عربية أو حتى قنوات تليفزيون بلدك الذي يملكه دافعي الضرائب حيث (البيت بيتك)، بعد كل هذا يعتبرون بثاً إذاعياً محدوداً يخدم منطقة محدودة عملاً تبشيرياً؟؟؟
- ولماذا انزعج "البعض" من أن نستمع إلى قداساتنا في بيوتنا وهم باستطاعتهم بكل بساطة - أن ينتقلوا إلى محطة أخرى يستمعوا فيها إلى القرآن وما أكثرها!
- ولماذا يتجاوب الأمن بكل سرعة وسهولة - وعلى غير العادة - مع انزعاج البعض
عندما يتعلق الأمر بنزع حقاً جديداً من حقوق المسيحيين في مصر؟
- وما هي العواقب التي يخشاها الأمن؟؟ هل يخشى أن يخرج "بعض" المسلمين ليفتكوا بإخوانهم في الوطن لأنهم يستمعون إلى صلواتهم في بيوتهم؟
وكالعادة ظلت الاسئلة بلا أجوبة!! وكالعادة تقبلت جدتي وجميع من أعرفهم من المسيحيين الأمر واعتبروه من المسلمات، على اعتبار أن حصولهم على أبسط حقوقهم هو الوضع الشاذ والغريب في هذا المجتمع حيث أن الصبر والاحتمال والتسامح المطلق هو ميراثهم الذي يتسلموه جيلاً بعد جيل، أما أنا فستظل الاسئلة تدور بعقلي إلى أن يجيبني أحداً…
وفي النهاية لا يبقى إلا…
سلام

