تكلمت فى المقاله السابقه عن مشكله خاصه جداً تعبر عن هماً عاماً , واستكمل فى هذا المقال سرد مشاكلى الخاصه , قصه اخرى تعالوا نستمع اليها سوياً . . . .
ذات يوم جائتنى اختى الصغرى - فى المرحله الإعداديه - تطلب منى مساعدتها فى فهم وحفظ نصاً قرآنياً مقررا عليها , لن ابالغ واقول اننى كنت قد نسيت مناهجنا القبيحه , المتخلفه , غير العادله و المتجنيه على شريحه كبيره من الشعب المصرى , لم انسى هذا بل قل تناسيته بما اننى انتقلت الى المرحله الجامعيه منذ فتره.
الا ان ما جائت به اختى الصغرى اعاد الى الذكريات الاليمه خاصه وانى منذ تركت مراحل التعليم الاساسى و انا اسمع اخباراً عن تغيير و تطوير و تحديث المناهج , وتصورت ان اول ما سيطور فى المناهج هو توجها , حيث ينزع منها كل ما يدل او يحث على تمييز فئه دون اخرى , ويوضع بدلاً منه ما يؤكد ان البشر متساوون امام القانون فى "الحقوق" و "الواجبات" وان الوطن هو لكل مصرى , ولكن كالعاده تأتى تصرفات النظام دائماً لتثبت اننا تفائلنا اكثر من اللازم.
على اى حال , امسكت بالكتاب على الصفحه المفتوحه رقم (2) فوجدت نصاً قرآنياً كبيراً -حفظه بالطبع إجبارى- من سوره القصص : 68 الى 75 يبدأ ب" وربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيره سبحن الله وتعلى عما يشركون ." ونهاياً ب" ويوم يناديهم فيقول اين شركاءى الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل امه شهيداً فقلنا هاتوا برهنكم فعلموا ان الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون ."
لا ابلاغ او امزح ان قلت اننى اغلقت الكتاب لأرى غلافه و اتأكد ان كان كتاباً للغه العربيه ام للتربيه الدينيه الإسلاميه فوجدته كتاب ( لغتنا الجميله) هكذا اسمه.
واول ما لفت نظرى فى الكتاب هو غلافه وهو عباره عن صوره لمسجد !
و قبل ان نتحدث عن خطوره ما يدرس من مفاهيم , دعنا نتصفح معاً كتاب اللغه العربيه الذى يدرس لطلبه مصر "جميعاً" . . .
فى صفحه (5) درس بعنوان " التربيه من اجل المستقبل" والدرس عباره عن "حديث شريف" . . .
فى صفحه (9) درس بعنوان رائع "كيف اصنع مستقبلى؟" ولكنه ايضاُ مدعم بحديث شريف يقول " إذا اصبح ابن آدم معافى فى بدنه , امناً فى سربه , عنده قوت يومه , فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها ! ! " وعلامتى التعجب هاتان موجوداتان فى النص و ليسا من عندى . . . .
ثم الى الصفحه (17) درس "مفهوم السلام" وهو ايضاُ مدعم بحديث شريف وفى هذا الدرس استرعى انتباهى فقره تقول " كما لا ينكر احد دور المؤثرات الاخرى كجماعات الاصدقاء , او وسائل الاعلام بما تقدمه , إذ ينبغى مراعاه ما يقدم لهم بحيث يدفعهم الى التقدم , ونبذ العنف و التطرف و التعصب بكل صوره وألوانه , كذلك دور العباده , فالمسجد و الكنيسه لهما دور رئيسى فى تعليم الجدال بالحسنى والدعوه بالحكمه و الموعظه الحسنه و تكوين الفرد وتربيته تربيه تعتمد على تنميه قدرات التفكير الناقد . "
هل لاحظت التناقض؟
وتجد فى صفحه (21) درساً عن "حقوق الإنسان" يبدوا شكله غريباً وغير متسق مع باقى المنهج وكأنه تم إقحامه عنوه على المقرر , والدرس خالى من الآيات القرآنيه و الاحاديث الشريفه.
تعرض الدرس لمؤتمر (فيينا) و نبذ كل اشكال التمييز العنصرى , سواء أكان بسبب اللون او الجنس او الدين وبخاصه حقوق الطفل و المرأه و بالطبع لم يشر كاتب الدرس الى ان الحكومه المصريه تحفظت على بعض البنود التى جاءت فى الوثيقه الختاميه للمؤتمر والخاصه بحقوق المرأه و الاقليات - تلك التى وقعت عليها كل الدول- والسبب لمخالفه تلك البنود للشريعه الإسلاميه ! ترى من يسىء هنا للأسلام؟ وملاحظتى الاخيره على الدرس ان المثال الوحيد الذى جاء به لأنتهاك حقوق الإنسان هو ما يحدث للمسلمين فى (البوسنه و الشيشان) ! . ترى كيف يتصرف الطالب المسلم عندما يقرأ ان الوحيدون الذين تنتهك حقوقهم هم مسلمى البوسنه و الشيشان؟
ثم الى صفحه (24) ودرس ( وإن جنحوا للسلم) وهو ايضاً عباره عن ايات قرآنيه من سوره الأنفال 60 الى 64 والذى يبدأ ب" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوه ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تُظلمون ".
وفى صفحه (28) درساً بعنوان " يا قدس " وهو عباره عن ابيات شعريه لشاعر اسمه (هارون هاشم رشيد) , فى مقدمته ذكر ان " القدس مدينه عريقه مقدسه مباركه , بارك الله حولها و اسرى بنبيه محمد إليها . القدس جاره المسجد الأقصى , أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين . . . " وصولاً الى " ولن يغفر التاريخ للعرب و المسلمين إذا تخاذلوا عن انقاذ القدس و تحريرها . "
- وهنا - اعترف - فقد جاء الدرس بمعلومات جديده كنت عنها غافلاً , فالقدس ليست المدينه التى بدأ بها السيد المسيح خدمته و بشارته المقدسه وليست المدينه التى دخل اليها ملكاً يوم احد السعف , وليست المدينه التى بها كنائس يقدسها كل المسيحيين , ليس هذا حقيقياً والدليل ان الكاتب لم يشر الى اى من ذلك فى مقدمته القيمه للدرس .
نستمر مع صفحات الكتاب حتى نصل الى الدرس المعنون ب"أخلاق رياضيه" وحتى هذا الدرس لم يخلوا من الاحاديث الشريفه واقوال عمر بن الخطاب ومن الملاحظ فى هذا الدرس ايضاُ ان الخطاب كله موجه الى المسلمين وكيفيه تربيتهم تربيه سليمه ! .
الى هنا ينتهى الكتاب , اغلقته وتسائلت : هل يقل هذا الكتاب فى توجهه الإسلامى عن اى كتاب يدرس فى الأزهر او المعاهد الدينيه الإسلاميه؟
سمعتنى اختى فابتسمت وطلبت منى مطالعه كتاب التاريخ والمسمى ب"معالم التاريخ الإسلامى" , اما غلاف هذا الكتاب فيختلف فهو عباره عن صور لعده مساجد !
ومراعاه لظروف المرضى من القراء ممن يخشى عليهم من إرتفاع ضغط الدم ! فلن اذكر تفصيلاً ما جاء بهذا الكتاب , فقط سأكتفى بالعناوين . . .
فالكتاب عباره عن ثلاث وحدات الأولى عنوانها "ظهور الإسلام" وبها ثلاث دروس "حياة العرب قبل الإسلام" , " البعثه النبويه " , " قيام الدوله الإسلاميه فى عهد الرسول"
والوحده الثانيه وعنوانها " الفتوحات الإسلاميه فى عصر الخلفاء الراشدين " وبها درسان " عصر الخلفاء الراشدين " و " الخلفاء الراشدون وحركه الفتوحات الإسلاميه "
اما الوحده الثالثه فهى وحده "الدوله العربيه الإسلاميه فى عصر الأمويين و العباسيين " وهى بطبيعه الحال مقسمه الى درسان " الدوله الإسلاميه فى عصر الأمويين" و "الدوله الإسلاميه فى عصر العباسيين" .
ومما يلفت الانتباه فى هذا الكتاب- وهو الكتاب الذى يدرس للطلبه المصريين - خلوه تماماً من اى وقائع مصريه او لها علاقه بمصر فمعظم احداث هذا الكتاب تقع فى شبه الجزيره العربيه اللهم اذا استثنينا ما يتعلقى ب"فتح" عمرو بن العاص لمصر.
اغلقت هذا الكتاب بدوره , واعتذرت لأختى لعدم استطاعتى مساعدتها فى فهم او حفظ الآيات القرآنيه لأنه ببساطه - لا انا ولا هى - يجب ان نكره و نجبر على فهم وحفظ و شرح ما لا نؤمن به . اليست هذه هى ابسط قواعد الحريه؟ اليست هذه هى ابسط قواعد حقوق الانسان الذى يتشدق كتاب ( لغتنا الجميله) بتدريسها ؟ اليست هذه هى قاعده ( لا إكراه فى الدين) التى يفاخر بها المسلمون فى كل مكان؟ . . . .
وتسائلت سؤالاً بديهياً - اوجهه لكل مسلم يقرأ ما اكتبه الآن - لماذا تدرس اختى - المسيحيه - القرآن و تجبر على فهمه و حفظه وهى كسائر المسيحيين فى مختلف ارجاء العالم لا تؤمن به؟ لماذا تدرس كل المفاهيم و القيم من منظور إسلامى؟ . . . .
و سؤالاً اخر ما هو الفرق بين هذا الكتاب الذى يدرس فى المدارس " الحكوميه" و بين مناهج المدارس الدينيه الأزهريه التى لا تضم سوى المسلمون؟؟
وإن كانت الإجابه ان اللغه العربيه لا يجوز تدريسها الا من خلال القرآن ( الإعجاز اللغوى ) فهذه المقوله تعد خطأً فادحاً ومبرراً لا يقبله اى عقل , فتاريخ اللغه العربيه ملئ بالاشعار البليغه ,جميله المعانى , سهله الفهم , والتى ترغب فى اللغه و لا تنفر منها , وحتى لا تلوى كلماتى و تأخذ من سياقها و تفهم خطأً فأنا لا اقول ان القرآن عكس ذلك ولكن كل ما هنالك ان إجبار غير المسلم على فهم وحفظ القرآن والا حصل على ادنى الدرجات فى الإمتحانات و عومل اسواء معامله فى المدرسه سيجعله ينفر تلقائياً من اللغه و القرآن معاً ! بجانب ان فى هذا إهداراً شديداً لحقوقه كأنسان فى حريه اختيار العقيده وعدم فرضها او إملائها عليه و لهذا فأنه فى وسط هذا المنهج يأتى درس حقوق الانسان بما ورد فيه من عبارات غريباً و غير متسقاً بل و متناقضاً مع المنهج .
الا تروا - اخوانى - ان القرآن اكثر قيمه من ان يفرض على غير المؤمنين به؟ الا تروا ان من يريد ان يعلم عن القرآن يجب ان يسعى -هو- اليه و ليس العكس؟
وايضاً لماذا يدرس مسيحى مصر تاريخ الإسلام منذ نشأته فى شبه جزيره العرب وهم مصريين مسيحيين لا شأن لهم لا بالاسلام ولا بشبه جزيره العرب ؟؟
- اما ماورد فى الكتابان من دروس و خاصهً ما ورد فى كتاب ( لغتنا الجميله) من نصوص و ما يتبعها من تفسيرات المدرسين و المدرسات اللذين لا زال اغلبهم يفسر المشركين بالنصارى لأنهم اتخذوا من دون الله الهه , لأنهم ربما لم يسمعوا عن قانون الإيمان المسيحى الذى يبدأ ب"نؤمن باله واحد" ولم يسمعوا مسيحى يسمى " بأسم الآب و الإبن و الروح القدس الأله الواحد . امين " ولم يفهموا عقيده التثليث و التوحيد وهم غير مطالبين بفهمها ولكنهم مطالبين بإحترامها , كما نحترم نحن رسول الإسلام محمد وكتاب الإسلام القرآن دون ان نؤمن بكلاهما .
ما يهمنى ان هذه التفسيرات التى تكفر شركاء الوطن دون ان يجد مروجوها ادنى قدر من الحياء ليستحوا لهى كفيله بحدوث مشاكل لا حصر لها بين الاطفال و الشباب , وان هذا المنهج الذى يغلب عليه الآحاديه و التعصب لهو كفيل بتنشئه اجيال جديده من الإرهابيين الذين ستعانى منهم البلاد لعقود قادمه , …..
وفى النهايه فأن القاعده واجبه الإتباع هى الغاء كل ما هو دينى فى مناهج تدرس لطلبه مصريين مختلفين فى الاديان والتأكيد على قيم التسامح و التعايش البعيده كل البعد عن النصوص الدينيه وعدم تغليب عقيده على اخرى وعدم فرض دين على غير تابعيه لأن هذا سيؤدى فى النهايه الى المزيد من الاحقاد و الإضطرابات من الجانبين !
يجب ايضاً تفعيل مواثيق حقوق الإنسان العالميه بدلاً من الإكتفاء بذكرها فى الكتب .
وفى النهايه لا يبقى الا …………….
سلام