البوم الذكريات
البوم الذكريات جالساً على اريكتى المفضله . . . اتابع ببصرى حديث ولدى المراهق الخافت فى الهاتف و ادرك ماهيه الطرف الآخر . . . ادور ببصرى لأجد ابنتى تهرع نحو هاتفها الخلوى لتتلقى رساله جديده . . يتغير لون وجهها و يظهر السرور الذى سرعان ما تحاول إخفاءه . . لم يكن من الصعب تخمين مُرسل الرساله . . . أغض بصرى عن كلاهما . . فلا اريد ان احرمهما من اكثر لحظات حياتهما سعاده . . و أيضاً لا اريد ان ابدو بمظهر المتحرر اكثر من اللازم . . فالأفضل ألا يعلما انى اعلم . . ادير بصرى ليلتقى بوجه امهما الحنون . . اكثر الامهات حنوً على ابناءها و اكثر الزوجات طيبه . . عشرون عاماً قضيناها سوياً . . . . لا اتذكر مشكله وقعت بيننا طوال هذه السنون , كانت الخلافات الزوجيه بالنسبه لنا مجرد مشاهد سينمائيه او تليفزيونيه او حواديت جيران تثير بسمه جميله فى امسياتنا الهادئه . . . . اذوب فى إبتسامه الرضا تلك التى تعلو دائماً شفتيها لشعورها بأننا عبرنا بسفينه العمر الى بر الآمان دون عواصف او اعاصير او ادنى قدر من الخطوره .. . . . افيق من ذكرياتى على صوت ارتطام , امد بصرى لركن بعيد من الشقه لأجد ابنتى ذات السبع سنوات تعبث - كعادتها - فى حاجيات الآسره المنسيه و المهمله معتقده انها سوف تعثر على الكنز وسط هذه الاشياء . . . اتابعها ببصرى وهى تنحنى لتلتقط كتاباً ما ذو طبقه لازالت لامعه رغم الغبار . . إذاً فهذا الكتاب هو سبب دوى الإرتطام , تنظر الفتاه إلىّ و فى عينيها تساؤل : - - " ابى . . . ما هذا ؟ " انظر لها بألم و ابعث لها بنظره توسليه لسان حالها يقول :- - " ارجوكِ . . لا تفتحى هذا الكتاب ! " لقد كان الكتاب . . البوم الذكريات * * * اهرع نحو إبنتى الصغيره . . انتزع من يدها الكتاب . . اضمه الى صدرى . . و اعود ادراجى الى اريكتى لأتكور عليها محتضناً الكتاب دون ان انطق ببنت شفه . . . كان الامر بالنسبه للآسره اكثر من مجرد امر غير مُبرر . . فطوال حياتى معهم لم يعتادوا منى التصرفات الغريبه . . كانت حياتى بالنسبه لهم كتابٍ مفتوح . . ظللت طوال عشرون عاماً . . الآب و الزوج المثالى . . الذى لا يخطىء . . الذى ينصح و يرشد و يوجه الجميع فقط لأنه هو الذى يرى الامور فى نصابها الصحيح . . كان غريباً بل و مريباً ان يوجد لدى تلك الشخصيه القياديه ما يخفيه . . . إلا ان احداً لم يجرؤ ان يسأل . . كانوا يعلمون اننى سأخبرهم بالسر عاجلاً ام أجلاً و إن لم افعل فالامر - بالفعل - اخطر من ان يُناقش . . . سرعان ما نسى او تناسى الجميع ما حدث و عاد الى ما كان يفعله . . . عدا الزوجه التى ظللت فتره اطول تحدق و عيناها تحمل الف سؤال . . . لا تجرؤ ان تسأل . . . لأنها تشعر إنى لا اجرؤ ان اجيب . . . لأول مره لم يستطع عقلى - الدائم الوعى - ان يدرك الزمن فلم اشعر بنفسى إلا و الليل يخيم على كل شىء و انا لازلت ممسكاً بالالبوم متكوراً فى مكانى منذ بدء اليوم . . . . ولم يعيدنى الى دنيا الواقع سوى صوت صراخ و جمله منفعله تخرج من فم زوجتى :- - " اياك ان اسمعك تتحدث مره اخرى هكذا عن والدك ! " - " إذاً فما هو تفسيرك ؟ " - " بالتأكيد هناك تفسير و لكنه ليس من شأننا , فليس من حقنا ان نعلم عن اباك كل شىء , ان له خصوصياته التى يجب ان تُحترم ! ! ! " و لكننى كنت ادرك انها لا تعنى ما تقول فهذه هى المره الاولى على ما اعتقد التى تتحدث فيها بلهجه غاضبه مع احد ابناءها مهما عظم شأن الامر و هذا إن دل على شىء فهو يدل على ما تجيش به نفسها من حيره و قلق بل و ربما . . . من غضب . . . . يمر طفلى الشاب من امامى . . تلتقى عينانا . . يتسمر فى مكانه . . و ينظر لى بتحدى . . بتوسل . . كأنه مُصر ان يسأل . . اتشبث اكثر بالالبوم و احمله و اتجه به الى الشرفه . . اتصنت . . استمع لوقع خطواته قادمه نحوى . . اتيقن من انه لا مفر . . يقف بجوارى دون ان ينطق . . تلفحنا نسمات الليل الصيفيه العذبه لتنعش روحانا . . . - " ماذا تريد ؟ " - " ان اعرف . . . . " -" أانت مُصر ؟ ؟ " - " نعم ! ! " - اتتحمل نتيجه قرارك دون ندم ؟ " - " لقد علمتنى الا اندم على اى قرار إتخذته . . . " - " ربما كنت مخطئاً ! " صمت كلانا ردح من الزمن . . اخرجت علبه السجائر من جيبى لألتقط واحده بفمى . . انهمك فى إشعالها ثم ابادره بسؤال : - - " ما اسمها ؟ " - " ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ " - " صديقتك تلك التى تتحدث معها بصوت خافت فى الهاتف . . . " - " ! ! ! ! ! " - " مم تخاف ؟ . . الا ترى ان هذا من حقك ؟ " - " ر . . . ريهام . . " - " كم فتاه تعرف عداها ؟ " - " . . . . . . . . . " - " إذا كنت تريد المصداقيه فأبتدأ بها انت اولاً . . . " - " ليس كثيراً . . ربما اثنين ثلاثه . . . " - " هل تبادلهن جميعاً نفس الشعور الذى تبادله لريهام ؟ " - " بالطبع لا . . هناك من اتخذهن كمجرد صديقات . . و هناك من اصاحبهن بغرض اللهو و التسليه و المتعه . . و لكن . . ريهام . . " توقف برهه عن الكلام ليسيطر على إنفعال جارف ظهر على وجهه , إنه مازال واضعاً فى الإعتبار انه يتحدث الى ابيه . . ثم اكمل : - - " اجمل ما فى شعورى نحوها انه شعور لا يوصف . . اشعر معها بالامان و الحنان . . اشعر انى ابيها و إبنها . . مسئول عنها و محتاج لرعياتها . . اشعـ . . " - " اريدك تن تقطع علاقتك بها نهائيا . . لا تراها . . لا تحدثها . . بل و حتى لا تحلم بها اثناء نومك . . ما قولك ؟ " بنظره جزع حقيقيه : - " و لكن هذا ببساطه مستحيل . . إنها كل . . " بحنان الآب على ابنه اربت على كتفه قائلاً بلهجه هادئه : - - " لا تقلق . . لست انا من يحرم ابنه من اسمى لحظات حياته . . . " ثم كانت فتره الصمت الطويله . . حدقت ببصرى طويلاً فى العدم . . . . غصت فى بحر الذكريات . . إغرورقت عيناى بدمعتان جاهدتا ليظهرا فى مقلتاى . . ولأول مره منذ سنوات احطم حاجز الصمت . . . و اتكلم : - - " . . . . نعم كنت اعتقد إنها سن المراهقه . . و إن شيئاً كهذا سينسى فى حينه . . كم كنت احمق غبى . . إن جذر الحب يثبت فى القلب ليتحدى اعتى الرياح . . . . . . . " * * * - " كانت اول حب فى عمرى . . كانت اهلى و كل اصحابى . . كانت عمرى . . كنت بحس إنها من دمى . . اختى . . حبيبتى . . . . " تسللت لأذنى كلمات اغنيه محمد فؤاد من ( كاسيت ) الجيران ,. فأستمعت لبرهه ثم اكملت : - " مع الوقت كان يزيد تيقنى ان نزوه المراهقه لا تكون ابداً بهذا الشكل . . ان تشعر انك وجدت الانسان الوحيد فى العالم الذى يفهمك . . الإنسان الوحيد الذى يشعر بك . . الإنسان الوحيد الذى تلتقى افكاركما على نفس الموجه . . الإنسان الوحيد الذى تشعر تجاهه بشعور لا تعرف انت نفسك كنيته . . الإنسان الذى كلما ابتعد عنك ذاد تفكيرك فيه بمراحل . . الإنسان الذى اصبح يشاطرك لحظات حزنه و المه و فرحه . . كان من المستحيل الا يكون هذا هو الحب . . وكان من المستحيل ان يكون بعد هذا الحب . . حباً آخر . . . " - " ما كنتش عارف إن هوانا ممكن يتحرك جوانا . . و يضيع قلبى فى هواها . . و يرضى ببعدها . . " طنت اتحدث بإنفعال جارف واضح على كل خلجه من خلجات وجهى و كنت فى طريقى لأن اواصل حديثى و سردى مشدوهاً بأحداث الماضى الساحر , لولا ان لكزنى ابنى لينبهنى ان زوجتى قد جاءت و لكن . . هيهات . .لقد هدمت حاجز الصمت الاى الآبد . . لقد إنفجر بركان الآهات . . . . استدرت و نظرت إليها بنظره تحمل الكثير من التحدى و . . المصارحه . . و لا اعلم لماذا بادلتنى النظره بنظره قلق . . كأنها كانت تعلم ان تلك هى اللحظه التى عاشت حياتها كلها تخشاها . . و لكننى اكملت : - " كنا قد وصلنا الى المرحله الجامعيه و لم يخفت الحب لحظه واحده . . . و جاءت لى فى واحده من ايام الحياه القلائل التى تظل محفوره فى ذاكره الإنسان . . . الرجفه فى يديها . . و الدمع فى عينيها . . و الكلمات على شفتيها . . تعاند فى إصرار . . ترفض الإنصياع . . لحظات مرت حتى إستطاعت ان تروض كلماتها و تُخضع قلبها . . حتى تخبرنى إنها ستتزوج . . لماذا؟؟ و كيف ؟؟ و اين ؟؟ و متى ؟؟ و هل حقاً ؟؟ . . تطايرت علامات الإستفهام لتحلق داخلى . . لأنى لم انطق ببنت شفه . . كان يكفى ما تعانيه و تتكبده . . إن بداخلها حزن يعادل حزنى . . إلا ان كلانا يعلم إننا لا نملك اقدارنا . . لا نملك قرارنا . . و كلانا يعلم ما هو اهم بكثير . . إن كلانا لن يفقد ذره من حبه . . لأن الحب الحقيقى لا يقوى عليه حتى الموت . . . " نظرت الى زوجتى الحبيبه نظره لا اعلم إن كانت حملت ما يعتمل فى نفسى من مشاعر . . إمتنان . . و إعتذار . . وعتاب دفين . . . . و كراهيه غير مبرره . . و استمر حديث العمر : - - " و مرت سنون و انا احبها كل يوم اكثر من ذى قبل . . التقيت بوالدتك . . وجدت فيها الزوجه الطيبه . . و توسمت فيها الام الحنونه العطوفه على اولادها . . فقررت إنها شريكه الحياه المثاليه . . تزوجنا و اكملنا معاً عشرون عاماً ناجحه . . و لكن دون ان تملك ذره واحده من قلبى . . قلبى المرهون . . قلبى المباع لشخص واحد فقط . . من إستحوذ عليه الى ان يشاء رب العباد . . . . " و لأول مره منذ امد بعيد . . انفض الغبار من اعلى الالبوم . . البوم الذكريات و بحرص . . و امام عينىّ زوجتى المنهاره و بين بحور دموع عيناها الهادئتين . . افتح . . الالبوم على صفحته الاولى . . التى تتوسطها صوره كبيره لفتاه جميله الملامح . . اغوص و عينىً فتاتى فى الصوره . . يرون فى عينىً نظره لم يروها طوال عشرون عاماً . . يتجه إصبعى المرتجف . . نحو الصوره . . يعجز لسانى سوى عن نطق كلمتان لا ثالث لهما : - ينفض الجميع من حولى . . ليتركونى لبركان مشاعر اسلمت له نفسى لينفجر فى وجهى . . ربما كان ما حدث هو نهايه لأحد اكثر الآسر إستقراراً و سعاده و مثاليه . . . . و لكنى لم اشعر بلحظه ندم . . لقد كان حبنا اقوى من ان يظل مطوياً تحت الغبار . . " ذهبت و الدتنا ! " . . هل إختفت الزوجه حقاً ؟ . . هل إنتصر الحب اخيراً ؟ . . اواهم انا ؟ . . ام ان عيناى ترقصان فرحاً و إنفعالاً . . أجننت انا ؟ . . ام انى حقاً سعيد بتلك النهايه ؟ . . لقد إنتصرت لكِ يا حبيبتى . . لا من زوجتى بل من الايام و السنين و الزمان . . اشعر بأنى و حيداً فى المنزل . . بل إن شئت الدقه فى الكون بآسره . . و لكنى لا ابالى بشىء سوى بصوت شاديه المنبعث من ( كاسيت ) الجيران : - - " ده القلب يحب مره . . ما يحبش مرتين . . ما يحبش مرتين . . . " تــــــــــــمـــــــــــت "


ممكن حد يكلمنى انا فى كلية الآداب -القاهرة
Comment by طلعت شلتوت — February 1, 2008 @ 4:54 pm
9isa momyaza…….??????????
Comment by tarik — March 15, 2008 @ 10:20 pm