من الجـــــــــــانى؟
من الجــــــــــــانى كعادته غادر عمله فى فتره ما بعد الظهيره . . و كعادته سار فى هذا الطريق المزدحم محاولاً تفادى الإصطدام بالناس . . على غير العاده رأى وجهاً مألوفاً قادماً من الجهه المقابله . . . وجهاً لم يره منذ عشرون عاماً . . . وجه اخاه . . . و التقت عيناهما . . لم يدر الأخ الأكبر ماذا يفعل , او ماذا يقول , هاهو الوجه الذى فارقه من سنين . . الوجه الذى ظل مبتعداً عنه مدناً بل و بلاداً . . هاهو الآن فى مدينته و يسير فى نفس الطريق الذى اعتاد السير فيه . . بل و يقف فى مواجهته الآن . . كل ما احس به الأخ الأكبر هو الغضب و كأن هذا الوجه هو آخر وجه يريد ان يراه فى حياته . . فهمّ بالإنصراف . . إلأ ان يداً قويه امسكت بساعده فتصلب فى مكانه و لأول مره منذ عشرون عاماً سمع صوت اخاه الأصغر : - " ازيــــــــك ؟ " و بصوتٍ خالٍ من اى تعبير و بعينان حاول ان يبعدهما قدر الإمكان عن وجه اخيه اجاب : - " كويــــــــس " - " و المدام و الاولاد ؟ " و بنفس الطريقه اجاب - " كويسيـيـن " و يهم بالإنصراف مره آخرى محاولاً إنهاء هذا اللقاء الذى دام لثوانٍ بدت له كدهر . . إلأ إن نفس اليد إمتدت ثانيهً لتوقفه : - " وحشتنــــى " و لأول مره نظر الأخ الأكبر فى عينىّ اخيه بثبات و قال " - " عارف . . عارف إنى وحشتك . . و بوحشك . . بس الفلوس بتوحشك اكتر . . الفـــلوس ! . . عارفها ؟ . . الدولارات! . . الرُزم ! . . " و بلهجه صادقه قال الأخ الأصغر : - " عدت عشريــــــن سنه . . " و كأن الأخ الأكبر اكتشف فجاءه ان كم هى طويله المده التى مضت فقال : - " يــــااااه . . عشرين سنه ! . . كويس إنك فاكر إنه عدت عشرين سنه إتمتعت فيها كل لحظه . . بفلوسى ! . . " لم ييأس الأخ الأصغر من المحاوله بل قُـل إن شيئاً بداخله كان اقوى من اليأس فقال : - " الصدفه هى أللى جمعتنا . . اكيد لسبـب . . " حاول الأخ الأكبر ان يتهى هذا الهُراء مره جديده فقال بلهجه حاسمه : - " عايز ايه ؟ " فوجىء الأخ الأصغر بعينيه و قد إغرورقت بالدموع و هو يقول : - " عايز اخدك فى حضنى " و بجمود قال الأخ الأكبر : - " ما يـنـفـعـش . . " - " عايز اتعرف على مراتك و العب مع اولادك . . " و بنفس الطريقه كانت إجابه الأأخ الأكبر : - " بيتى متحرم عليك . . " ازدادت الدموع فى عينى الأخ الأصغر حتى نزلت منها واحده على خده و هو يقول بصوت متهدج : - " لــــيــــــه ؟ " - " لأن إللى بتكسره الخيانه عمره ما بيتصلح . . خصوصاً لو إرتبطت بشىء رخيص اسمه الفلوس . . " و هنا وصل الأخ الأصغر لذروه إنفعاله و انفجر قائلا ً : - " كفايه ! . . كفايه بقى ! . . فلوس ! فلوس ! فلوس ! ملعون ابو الفلوس . . عشــرين سنه بتبعد . . عشـرين سنه مقاطع . . عشـرين سنه عدت . . ولسه بتتكلم على الفلوس . . ياخى ملعون ابوها فلوس . . " وهنا حدث آخر شىء من الممكن توقعه . . لقد إنفجر الأخ الأكبر ضاحكاً . . ضحكه عاليه صاخبه لدرجه جعلت الناس تتوقف وتنتبه لما يحدث و إستدار فجاءه فى حركه مسرحيه لجمع من الوقوف قائلاً : - " شايفيــن ؟ . . شايف يا حاج ؟ . . شايفه يا حاجه ؟ . . اخويا بيلعن الفلوس ! . . باعنى بالفلوس . . و بعد عشرين سنه . . جاى يلعن الفلوس . . " كل هذا و الأخ الأصغر فى مزيج من الذهول و الحسره و الندم , إستدار الأأخ الأكبر ناحيه اخاه و كأنه احس بما يعتمل فى نفسه فقال : - " للأسف جاى تندم متأخر اوى . . بعد ما بعت و خنت و خدت التلاتين من الفضه . . ندمك متأخر اوى . . " و اشار بأصبعه إلى السماء و بكل قوه اكمل : - " حتى ربنـا ما بيقبلوش . . " إنهار الأخ الأصغر تماماً و إنهمر فى بكاءاً كبكاء الاطفال . صارت الرؤيه عسيره بالنسبه له و كأنه فى طريقه إلى غيبوبه . . صار فكره مشوش و لا يرى امام عينيه سوى صوره مهتزه لأخاه الأكبر و هو يقول : - " ده حتى يهوذا يا أخى . . يهوذا ! . . ماكنش أخو المسيح . . " كان هذا فوق إحتمال الأأخ الأصغر الذى صرخ بكل ما أوتيه من قوه : - " كفايه بقى ! " و يكمل الأخ الأكبر : - " إللى عملته شىء حقير مالوش وصف . . عمرك كله مايكفكش ندم عليه . . " و يصرخ الأخ الأصغر مجدداً : - " كفـايه ارجوك ! " و يشير الأخ الأكبر مره إلى اسفل و آخرى إلى اعلى و هو يكمل بصوتاً كالرعد : - " حتفضل ملعون فى الارض . . و ملعون فى السما . . " يستمر الأخ الأأصغر فى الصراخ : - " كفـايه ! كفايــه ! كفايــه ! " و لا يدرى بنفسه و هو يخرج (مطواه) حاده من جيبه و يشهرها فى وجه أخيه الأكبر الذى اربكه هول الصدمه فألجم لسانه لثوان ٍ , سرعان ما استعاد بعدها رباطه جأشه و بذهول لم يفارقه قال : - " ايه ده ؟ . . عايز تقتلنى . . ؟ . . إقتل . . سرقتنى و بعد عشرين سنه عايز تقتلنى . . ؟ . . إقتل . . ما انت فاسد . . خلاص وقعت و الشيطان إتمكن منك . . و الوساخه بقت فى دمك . . " و بصوت اعلى صرخ و قد تملكه الغضب : - " إقتل . . إقتل اخـــــــــــوك . . ! " لم يكن الأخ الأصغر فى الواقع بحاجه إلى الامر الأخير فقد كان مغيباً تماماً عما يدور حوله و بكل شراسه و قسوه إنقض على أخاه الأكبر و غرس ( مطواته ) فى بطنه و اخرجها سريعاً . . وطعنه ثانيه . . و ثالثه . . و آخرى رابعه . . إمتلأ جسد أخيه الأكبر بنزيف الدماء . . وجحظت عيناه جحوظ ألم و غضب و عدم تصديق . . وترنح . . و سقط ارضاً و بجواره . . سقطت ( المطواه) من يد الأخ الأصغر و سقط هو بجوارها جاثياً على ركبتيه . . و غاب عن العالم فى حاله من البكاء المُر وسط دائره من الناس إلتفت لتتابع ما يحدث . . . * * * لم يدر الأخ الأصغر كم من الوقت مر حتى جاءت عربه الإسعاف و اعلن طبيبها أن اخاه قد فارق الحياه . . و لم يدر كم من الوقت مر حتى وصلت عربه الشرطه و هبط منا إثنان ليضعا الأصفاد فى يديه فى اسهل عمليه قبض قاما بها فى حياتهما . . لم يدر الأخ الأصغر بشىء على الإطلاق . .كل ما رأه و أدركه و ظل يقسم به طوال الفتره التى سبقت تنفيذ حكم الإعدام . . انه رأى أخاه - او بالأحرى جثته - . . تبتسم . . إبتسامه نصر . . إبتسامه لذه . . إبتسامه تشفى . . إبتسامه سخريه و إستهجان . . أبتسامه تحمل كل معانى الإنـتـقـام . . . " تمــــــــــــــــــــــــــــــت "

