كلمــــــــــات . . . Just Words

May 10, 2007

مُعلمه “مُنقبه” تدعو الطالبات المسيحيات لإرتداء الحجاب !

إعتبروه بلاغاً للنائب العام , إعتبروه صرخه إستغاثه للمجلس القومى لحقوق الإنسان و لجميع المجالس و المراكز الحقوقيه الأهليه منها و الرسميه , إعتبروه صرخه إحتجاج و غضب و إستياء لجميع المسيحيين المتقاعسين " المتسامحين " الذين يتحلون بروح " المحبه " و " الحكمه " , فأى " محبه " تلك التى تحث على الذل و الإستكانه , وأى " حكمه " تلك التى تدعو للخضوع و الإستسلام ! , إعتبروه صرخه إستنكار و رفض لجميع المسلمين " الهائجين "  ذوى الحماسه الدعويه و التبشيريه , ذوى المخططات " الواعده " لأسلمه المجتمع و تغليفه برداء الجهل و التخلف و التعصب الأعمى , ذوى الأهداف "غير الخفيه " لسكب المزيد من البنزين على نار الطائفيه التى لم تخمد جذوتها و لن تخمد طالما وجد هؤلاء الذين يعملون بجد و إجتهاد على إحراق بلادهم !
المدينه و كما إعتدنا فى الفتره الأخيره مدينه الإسكندريه , و المكان هذه المره هو مدرسه (على بن ابى طالب ) الإعداديه للبنات التابعه لإداره (المنتزه) التعليميه , بطله الأحداث هى مُعلمه "مُنقبه " تُدرس ماده ( الدراسات الإجتماعيه ) و تُدعى (نِعمه ) , وتأكيدى على ذِكر حقيقه كونها "مُنقبه " ليس من باب تحميل الأمور اكثر مما تحتمل فالحدث ضخم بالفعل لا يحتاج منى اى تضخيم إضافى و إنما وجب القول بإنها "مُنقبه" عند توصيفها او تصنيفها حيث لا يخفى على احد إن النقاب الآن ليس مجرد قطعه من القماش تُسدل على الوجه لتجعل صاحبته مثلها مثل الشبح الذى نخيف به الأطفال فى القصص الخرافيه او مثل اللصوص الذين يخشون إنكشاف هويتهم إنما النقاب الآن يحمل خلفه فكراً إن لم يكن فكراً تكفيرياً " قاعدياً " دموياً بحتاً فعلى اقل تقدير فكراً خُتم بختم " طظ " الشهير و اصبح يحمل الـ "Trade Mark" الشهيره " و أعدوا " ذات السيفان المُشهران فى وجه الجميع , و ذات " الجزمه " التى يُضرب بها كل من يُعارض ! اما ضحايا تلك الواقعه فهم اطفال فى المرحله الإعداديه من المسلمات و المسيحيات و إن كان الضرر الأكبر قد لحق بالمسيحيات كما هى العاده دائماً و الذى تصادف كون اختى واحده من هؤلاء الطالبات المسيحيات ضحايا تلك الواقعه !
اما التفاصيل فهى كالتالى : حِصه عاديه اخرى من حِصص يوم دراسى طويل … تغيبت مُعلمه الفصل لماده (الدراسات الإجتماعيه ) فتم إرسال مُعلمه (إحتياطى ) كما يُطلق عليها لنفس الماده و هى "المُنقبه " (نِعمه ) بغرض تعويض غياب المُعلمه الأساسيه و إستكمال باقى المنهج مع الطالبات اللاتى حضرن إلى المدرسه بغرض تلقى العلم و ليس لأى غرضٍ آخر . . .
ما إن دخلت تلك " المُنقبه " الفصل و تفحصت وجوه الطالبات حتى بدأت فى ترديد جُمله " ماشاء الله . . . ماشاء الله " و اخبرت الطالبات إنها فى قمه سعادتها لما تراه من تزايد لأعداد المُحجبات بين "الأطفال " فقامت إحدى هؤلاء الطالبات لتخبرها مُفاخره أن " لا يوجد بالفصل إلا ثلاث "مسلمات " غير محجبات " . . . يبدو إن السعاده قد إزدادت لدى تلك " الحاجه " و لا استطيع ان اقول ان السرور و الغِبطه قد بديا على وجهها لأن احداً لا يستطيع ان يرا وجه هذا الشبح , إلا انه يبدو ايضاً ان فكره عبقريه قد انارت فجاءه عقلها , و لا اعلم ربما هبط عليها الملاك جبريل فى مهمه إستثنائيه ليوحى لها بتلك النفحه الإيمانيه العطره ففجاءت الطالبات بسؤال " و لماذا لا ترتدى الطالبات المسيحيات الحجاب ؟ ! " ثم سرعان ما بدأت دروس الوعظ و التبشير للطالبات المسيحيات التى لم تخلو من التهكم و التهجم فقالت " أليست (ستنا مريم ) ترتدى الحجاب فى صوركم ؟ " ثم " أليست الراهبات يرتدين الحجاب فى الأديره ؟ " ثم " الستم انتم ترتدونه فى الكنائس ؟ " ثم السؤال التهكمى الساخر " اليس رب الكنائس و الأديره هو رب الشارع ؟ " " لماذا ترضون " ربكم" فى الكنائس و تغضبونه خارجها ؟ " بالطبع لم تستطع واحده من هؤلاء الأطفال المسيحيات ان تجارى الشيخه / نعمه فى جدالها العقيم فبدت منتصره " للأغلبيه " من طالبات الفصل و أنهت حصتها التى لم تقل فيها كلمه واحده عن المنهج و أكتفت بموعظتها التكفيريه لغير المحجبات " من أى دين " ! لتترك خلفها الطالبات المسلمات و هن ينظرن الى زميلاتهن فى الفصل من المسلمات غير المحجبات و المسيحيات بالطبع نظره تكفيريه لسان حالها يقول " انتن كافرات . . تغضبون الله برؤوسكن العاريه تلك " , غادرت الشيخه / نعمه الفصل و قد نجحت فى مخططها فى "تقليب" الفتيات بعضهن على بعض و فى زرع  نظره " التفرقه " فيما بينهن وهن اللاتى لم يكن فى حاجه - من الاصل - لمزيد من الفُرقه فى ظل هذا المجتمع الفاسد مناخه الذى يعانى منه الجميع و الذى لا يقبل إلا الفكر الآحادى الفاسد الذى ينادى به دعاه الجهل و التطرف و التعصب فى كل مكان و الذى لا يسعى لشىء إلا الى التفرقه بين الناس و تصنيفهم و تحديد درجه تقربهم الى الله عن طريق مظهرهم الخارجى ! . . .
نواصل حدوته الشيخه / نعمه فهناك المزيد منها  . . .
فيما بعد عرفت أختى من صديقه لها فى فصلٍ آخر فى نفس المدرسه إن نفس المُعلمه قد دخلت إليهم و رددت نفس الكلام بل و أضافت" إن كل الأديان السماويه تحث على الحجاب " كما دعمت كلامها بمثالاً لطيفاً للغايه سيجعلكم تفهمون اى فكر هذا الذى يدور فى تلك الرأس " المُنقبه" . . .
 عن اختى , عن صديقتها قالت الأبله : " إذا ذهب شخصاً ما ليشترى (تورته ) ووجد (تورته) مكشوفه و معروضه فى المحل , فهل سيشتريها ؟ كلا و الله بل إنه لن يثق إلا فى (التورته ) المغطاه ! " , صدقت الأبله وخسىء المنافقون ! . . .
و بمجرد ان وصلت اختى الى هذه المقوله من " حدوته الشيخه نعمه " حتى وجدتنى اقول " بركاتك يا شيخ هلالى " , و اكتشفت ان تلك الفتاوى الساذجه التى لا تثير إلا دهشه و تعجب الغرب و إستياءه تجد عندنا هنا- فى بلاد الشرق الساحر - العقول الخَرٍبه التى تؤمن بها و تتبناها و تعمل على الدعوه و التبشير بها فى كل مكان لتخلف وراءها ضحايا من الأطفال الذين تتعفن عقولهم قبل الآوان ! و الى هنا تنتهى حدوته الشيخه نعمه و لا تنتهى حدوته الإسكندريه التى تنحدر الى هوه الإحتقان الطائفى بخطى مسرعه !
الى هنا تنتهى حدوته ربما قادتها الصدفه وحدها الى مسامعى , ربما كانت تتكرر الآف المرات فى الآف المدارس المنتشره فى مدن و قرى و نجوع مصرنا المحروسه !
الى هنا تنتهى حدوته الـ"مُعلمه" التى قررت تحويل المدرسه الى ساحه تبشيريه و دعويه حيث الفرصه سانحه لإصطياد الأطفال و تشكيكهم فى عقائدهم و تنميطهم و طمث هويتهم !
الى هنا تنتهى مأساه لتبدأ آخرى طالما ظللنا فى تقديم التنازلات متحججين بـ"محبتنا" و "حكمتنا" لنخفى بهما خوفنا و جبننا من المواجهه و المطالبه بالحقوق بالطرق المشروعه !
فإن لم نتحرك الآن فربما سيأتى الوقت الذى سيفرض فيه الحجاب على نساء مصر جميعهن مثلما يحدث فى السعوديه و ربما سنقبله وقتها بكل "محبه" و "حكمه" حيث " لا ضرر فى المزيد من الحشمه " و لا اعلم الى اين ستقودنا تلك " المحبه" و " الحكمه" المزعومتان- اللتان نغطى بهما سلبيتنا و عجزنا عن المواجهه- فى نهايه المطاف !
خلال قضيه وزير الثقافه المصرى فاروق حسنى و تصريحاته حول الحجاب , لم اشاء وقتها التحدث فى هذا الموضوع على إعتبار إنه شأناً إسلامياً خالصاً لا يناقشه إلا المسلمين و لكن سرعان ما اثبتت لى الأيام إننى كنت مخطىء فى ظنى و تفكيرى فها هو الحجاب لم يعد شأناً إسلامياً صرفاً بل اصبح تطاولاً على حقوق غير المسلمين , وصدقت رؤيه وزير الثقافه حينما قال إنه حجاب موجه سيقسم المجتمع الى فئات و سيحدث التفرقه بين المسلمات المحجبات و غير المحجبات بل بين المسلمات عموماً و غير المسلمات !
لم اكتب ما كتبت لأدخل فى مناظره او مجادله مع الشيخه نعمه حول "شرعيه" الحجاب فى " الأديان السماويه " فالموضوع غير قابل للطرح او المناقشه , و لن اتطرق ثانياً لموضوع (التورته) التى شبهت بها نفسها هى و كل النساء فلن اقول اكثر مما قلت فى مقال سابق لى منشور فى نفس الموقع بتاريخ  4 / 11 /  2006 م بعنوان ( لتسقط قيم الأديان و التحضر و الضمير و ليحيا الجنس ! ) حول فتوى " اللحم المكشوف " للهلالى الأسترالى , فالفكر واحد و هى لم تفعل شيئاً سوى إستبدال (التورته) بـ(اللحم) حتى يتناسب المثل مع الأطفال الذين يحبون الحلويات اكثر من اى شىء !
فلتكونى (تورته) كما تشاءين و لتبحثى عن رجل ليلتهمك إلتهاماً و لكن لا تُصدرى مفاهيمك المريضه الى اطفال لم يتجاوزوا الرابعه عشر من عمرهم !
إنما كتبت ما كتبت لأطرح تساؤلاً : ماذا ستكون رده الفعل إن قامت مُعلمه مسيحيه او حتى غير مسيحيه بمناقشه "جدوى الحجاب " و إعلان رأيها فيه فى فصل دراسى بمدرسه و على مرأى و مسمع من الأطفال ؟ ماذا إن تسائلت اسئله على غرار : هل كانت امهاتكم و اجدادكم كافرات ايها المسلمات ؟ هل كنتن يا نساء المسلمين كافرات قبل فتره السبيعينيات حين كان منظر المرأه المحجبه منظراً شاذاً على المجتمع المصرى فما بالكم بـ"المنقبه " ! ! هل أكتشفتن "فريضه الحجاب" فجاءه منذ ثلاثين عاماً ؟
هل كانت اسئله مثل هذه ستمر مرور الكرام ؟ حقاً لا اعتقد ذلك فانا على علم من ان مواضيع اقل شأناً من تلك تتحول الى قضايا امن دوله ! اما الهجوم و التهكم على المسيحيين و عقائدهم فمباح لأقصى حدوده !
إنما كتبت ما كتبت كصرخه تحذير لكل من لا يزال يهمه امر هذه البلد , لكل من لا يزال يفكر فى مستقبل اولاده فى هذه البلد , لكل من لا يزال يؤمن ان شعب هذه البلد من الممكن ان يتعايش فى سلام و إحترام كما إعتاد من قبل ! لكل من بيده سلطه إتخاذ القرار فى هذه البلد و لا يحرك ساكناً إزاء التطرف الموجه لكل فئات الشعب بما فيهم الأطفال و فى اماكن تلقيهم للعلم ! لكل مسيحى متهاون فى حقوقه و لكل مسلم جائر على حقوق غيره و قامع لحريته !
الى هؤلاء الذين يسعون لإنجاح مخططاتهم الخبيثه بقهر ابناء هذا الوطن بأفكارهم الخارجه من العباءه " النفطيه" ! إحذروا فإن خربت هذه البلاد فلن ينجو احد حتى انتم! فالخراب إن حل فسيحل فوق رؤوس الجميع بلا إستثناء !
و فى النهايه اعلم ان هناك تساؤلاً يراود البعض و يطل من عينيه فى تحفز " و انت يا من تدعونا الى المواجهه ماذا فعلت فى موقف مثل هذا ؟ " و سوف يفاجاء الجميع إن الإجابه هى " لا شىء , لا شىء على الأطلاق " , نعم فانا لم أتخذ اى إجراء رسمى او غير رسمى إزاء هذا الموضوع بل حتى لم اذهب لا انا و لا اى احد من افراد العائله لمقابله تلك المُعلمه او مديرتها حتى الآن . . ! !
و السبب فى ذلك انه لا يخفى عليكم إننى انا - الطالب الجامعى ذى الـ22 عاماً - لست صاحب القرار فى العائله , ابديت رأيى  وكالعاده لم يجد الصدى لدى افراد العائله و ايضاً علمت من اختى ان اولياء امور صديقاتها من نفس الفصل و من الفصل الآخر اللاتى تعرضن لنفس الموقف لا ينوون إتخاذ اى رد فعل و كأن شيئاً لم يحدث و كأنه من الطبيعى ان تتحدث المُعلمات فى شئون الدين داخل اسوار المدرسه و من الطبيعى ايضاً ان تخبر بناتهم إنهن يغضبن الله بعدم لبسهن الحجاب و انهن لا شىء اكثر من قطعه (تورته) لا هم لهن سوى إنتظار الرجل الذى سيأتى ليلتهمهن و ينهل منهن نهلاً ! . . .
لقد إختاروا طريق "المحبه" المريضه و " الحكمه " الزائفه . . . .
اما انا فلا املك إلا ان اكتب و اوجه كلامى لكل مسيحى فى مصر و اولهم افراد عائلتى . . . .
و لكل مصرى لازال يأمل خيراً فى وطنه . . .
إخذروا قبل يغرق الوطن بأكمله - ونغرق معه - فى بحر من "النفط الأسود "
و فى النهايه - اتمنى - ان لا يبقى إلا . . . .
ســـــــلام

2 Comments »

The URI to TrackBack this entry is: http://kalemat.blogsome.com/2007/05/10/hejab/trackback/

  1. I wish I could join you to put an end to this

    Comment by Ahmed — June 9, 2008 @ 10:14 pm

  2. إسم الكتاب: دفتر أحوال المجتمع المصرى
    المؤلف: د. أيمن زهرى

    الهجرة وخلجنة المجتمع المصري
    يوجد أكثر من مليونين من العاملين المصريين في دول الخليج العربي، نصفهم في المملكة العربية السعودية. حتى منتصف القرن العشرين كانت علاقة المصريين بالخليج العربي علاقة روحية تقتصر في غالبها على زيارة الاماكن المقدسة في الحجاز (الجزء الغربي من المملكة العربية السعودية حاليا) وكانت زيارتهم لا تتخطى حدود مكة والمدينة، وعلى الرغم من إعلان تأسيس المملكة العربية السعودية عام 1902 على يدي الملك عبد العزيز آل سعود إلا أن هذه المنطقة من العالم ظلت معروفة لدى المصريين إلى وقت قريب ببلاد “الحجاز” أو الاراضي المقدسة. كما يعتقد البعض أن “الخليج” دولة عندما يقولون أن فلاناً قد سافر إلى الخليج مثلا.
    وتعد هجرة المصريين لدول الخليج من الظواهر التي حظيت بإهتمام إعلامي وبحثي كبير خلال الفترة الماضية بإعتبارها ظاهرة إقتصادية حيث أنها مصدر رئيسي للعملة الصعبة من خلال تحويلات العاملين في الخليج، إلا أن الآثار الإجتماعية التي ترتبت على هذه الظاهرة كانت أقل حظا ولم تتجاوز إسهامات الباحثين في هذا المجال دراسة أثر هجرة الزوج على مكانة المرأة في المجتمع حيث أن الهجرة المصرية إلى دول الخليج في غالبها هجرة ذكورية. إذن لم يتنبه أحد إلى الآثار الاجتماعية والثقافية لهذه الهجرة إلا من خلال بعض المقالات والاحاديث الصحفية التى بدأت على إستحياء في التنبيه إلى إلاختراق الثقافي، وربما أيضا الفكري والعقائدي، المترتب على هذه الهجرة. وربما يعزى ذلك إلى الإعتقاد الراسخ لدينا بأن ثقافتنا غير قابلة للإختراق وأننا نحن المصريين نؤثر في محيطنا العربي ولا نتأثر به كثيرا، فنحن رواد الثقافة والفكر والتنوير بلا منازع، وإذا نازعنا في هذه الريادة أحد فلن يكون بأي حال من الأحوال هؤلاء الذين كانوا بدوا رحلاً منذ فترة وجيزة من الزمن. لقد إستطعنا التعايش مع صنوف شتى من الغزاة والمستعمرين وإستطعنا الحفاظ على هويتنا فهل نخاف من هجرة مؤقتة إلى هذه الممالك والولايات؟
    ولكن وربما لأول مرة في تاريخ مصر الممتد عبر الزمان لأكثر من ثلاثة الاف عام يتم إختراق هذا المجتمع الاصيل وبأيدي أبنائه، والعجيب كما أسلفت الذكر أن هذا الإختراق لا تقوم به حضارة أقوى مثل الفرس أو الروم فيما مضى، ولكن حضارة – بل قل بداوة – لا يتجاوز عمرها أعمار أبائنا وأمهاتنا. وربما يحضرني هنا ما يردده البعض دائما من قبيل المزاح وأحيانا من قبيل الغضب من أن أمريكا ليس لها تاريخ وأنها حضارة بلا جذور، كل ذلك لان حضارتها لا تتجاوز خمسمائة عام، فما بالك بحضارة نفطية لا يتجاوز عمرها خمسة عقود؟
    من العجيب أن أبناء مصرالذين “علموا قلب الحجر يوصف معارك الانتصار،” كما قال الشاعر الغنائي عبد الفتاح مصطفي على لسان سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والذين علموا أهل البادية ألف باء الحضارة، والذين على أكتافهم قامت أكبر نهضة عمرانية في الإمارات القَبَليّة في بدايات عصر الثروة النفطية قبل أن يحل محلهم أبناء جنوب شرق أسيا من العمالة الرخيصة المطيعة، من العجيب حقا أن تخترق قيم البداوة النسيج الثقافي والاجتماعي لهذا الوطن الضاربة جذوره في تراب وادي النيل منذ فجر التاريخ.
    إن الإختراق الثقافي والإجتماعي الذي أحدثته هجرة المصريين لدول الخليج لا يمكن إختزاله في إرتداء الجلاليب البيضاء ذات الياقات المنتشاة أو إصطحاب الخادمات السريلانكيات والفلبينيات عند عودة الأسر المصرية لقضاء إجازة الصيف في مصر ولا إنتشار قيم المجتمع الاستهلاكي، فهذه التغيرات قد تكون إنعكاسا غير مباشر للتحولات العالمية حولنا، ولكن ما يؤلمنى هو إنحسار قيم التسامح والمودة والرحمة والبساطة، وإلاهتمام بالمظهر دون الجوهر، فتكثر لافتات “مغلق للصلاة” على أبواب المحال التجارية ويكثر معها الغش التجاري، وينتشر الزي الخليجي بين النساء والفتيات، وتكثر مع ذلك أعداد الفتيات اللاتي ينتظرن أحبائهم على كورنيش النيل بهذا الزي، ويكثر خطباء القنوات الفضائية ومن يتجرأون على الفتوى، ويقل الإلتزام الأخلاقي، ويكثر الحديث عن العبادات، وتهبط الهمم ولا يُتقن العمل، ويكثر الاهتمام بالمظهر ويقل الاهتمام بالجوهر. إن النمط الثقافي والاجتماعي الوارد إلينا متستراً خلف الدنانير والريالات المبللة بعرق المصريين وجهدهم قد يكون أشد خطرا على المجتمع المصري من الغزو الثقافي القادم من الغرب.
    رحم الله الشيخ الإمام محمد عبده، عندما سافر إلى باريس في أواخر القرن التاسع عشر حيث قال قولته المشهورة “وجدت فيهم أخلاق الاسلام ولم أجد الاسلام،” ماذا لو عاد الإمام الي عالمنا الآن؟ ماذا كان سيقول عنا نحن أبناء مصر وليس أبناء الفرنجة؟ إنني أتصور أنه كان سيقول ” وجدت فيهم مظهر الإسلام ولم أجد جوهر الإسلام.”

    Comment by Moslem — June 9, 2008 @ 10:25 pm

RSS feed for comments on this post.

Leave a comment

Line and paragraph breaks automatic, e-mail address never displayed, HTML allowed: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <code> <em> <i> <strike> <strong>



Anti-spam measure: please retype the above text into the box provided.






















Get free blog up and running in minutes with Blogsome
Theme designed by B A Khan

Pay Per Click Management
Pay Per Click Management
لافتة يوتوبيا مصرية أطلقوا سراح المدون المصري عبد الكريم