صِله لا تنتهى
صِله لا تنتهى
" كل ما اردته ان اراها "
قلتها داخلى من اعماق اعماق قلبى و بكل جوارحى تذكرتها و هى تعتصرنى بين احضانها فى المره الآخيره التى ذهبت فيها للزياره . . منذ عده اشهر مضت . . .
* * *
لظروف ما عشت بعيداً عنها , شائت الأقدار ألا اراها او اتحدث معها إلا مرات محدوده كل عام , و ان اعلم اخبارها و أنا جالس فى مكانى . . .
* * *
استيقظت فى منتصف الليل على رنين جرس الهاتف لأجد من يخبرنى إنها مريضه جداً و يجب ان احضر حالاً . . .
لسبب ما , لم يكن عندى شك فى انها رحلت , جلست على حافه سريرى و تذكرت وجهها بكل الصور الممكنه و فى كل المواقف التى جمعتنا سوياً . . تذكرت وجها الباسم , الضاحك , الغاضب و الحزين
بكيت؟؟ لم ابكى ! ظللت مشدوهاً احدق فى لا شىء
بعقلٍ ابعد ما يكون عن الوعى , و جسدٍ خارت قواه , ارتديت ملابسى و استوقفت سياره اجره ذاهباً اليها . . .
غزتنى افكاراً شتى فى طريقى اليها . . عن الموت ! احطه بكل ادوات الإستفهام فلم اجد جواباً ! عن الندم . . و عن علاقتى بها ! كينونتها و كيفيه صمودها رغم كل شىء . . عل اغفلتها؟ . . هل استطعت ان اتناساها؟ . . هل حاولت؟ . . و ان حاولت فهل هذا ممكن الحدوث؟ . . هل كنت مذنباً؟ . . هل اعتبرتنى هى مذنباً؟ . . اسئله بديهيه و إن الإجابه بنعم هى عين المنطق , و كم كنت سابقاً احاول ان اجد إجابات مغايره لأكثر الاسئله بداههً . . فقط لأن الإجابات لم تكن على هواىّ . .
اما هذه المره فاستسلمت للحقيقه ! لن اكابر و لن ابرر ! مذنباً انا و لو اخبرتنى الدنيا بالعكس . . .
صاعداً الى المنزل اخترقت بحوراً من اللون الأسود و تحاشيت انهاراً من الدموع فى عيون النسوه . . . و الرجال , تلقيت التعاذى صامتاً كالقبر , و جلست على احد المقاعد فى مثل حالتى الاولى . . سارحاً . . صامتاً . . محدقاً فى الفراغ . . .
و فى داخلى ظل صوت يتضخم و يتكرر بلا هواده او انقطاع . . .
" يجب ان اراها , لابد ان اراها . . . "
مر ما يقرب من ساعه و انا غير مدرك لما يدور حولى , احاول ان اقاوم الرغبه و ان اخنق الصوت بلا جدوى . . .
الى ان وجدتنى اندفع تجاه حجرتها و الكل يحاول إيقافى . . ادير قبضه الباب . . افتحه و ادلف الى الحجره و التف سريعاً لأغلقه خلفى . . .
تجمدت لحظات ناظراً للباب الذى اغلقته و معطياً ظهرى للسرير الذى يتوسط الحجره . . . و عليه ترقد . .
استجمعت اشلائى و استدرت لأرى جسدها المُسجّى . . اقتربت فى خطواتٍ تزن الف طن و ركعت على مقربه من وجهها ( النائم) فى سلام و المشوب ببعض الزُرقه . . .
دارت بيا الدنيا . . و فى حيره و غضب و حزن لا يماثله حزن . . انفجرت - و لأول مره - فى البكاء . . شعرت ان الحجره ترقص بى ثم ادركت انه انا من يفقد توازنه . . .
ان ما رأيته سيظل ماثلاً امامى ما حييت . . .
خرجت مسرعاً قبل ان ارقد بجوارها فى غيبوبه . . تخطيت الكل و اتجهت الى الشرفه . . .
و اكملت ليلتى بكاءاً . . .
* * *
مرت الساعات ثقيله بين مراسم الدفن و صلاه الجنازه . . عدت الى المنزل . . و انتظرت حتى رحل آخر المعذيين و قرر جميع من فى البيت انهم بحاجه الى القليل من النوم . . .
تركونى وحيداً فى (صاله) المنزل . . اغمضت عينى و راح شريط الأحداث يدور فى رأسى مُعَذِباً . . ليس شريط احداث ليله . . بل شريط احداث عًمرٍ بأكمله . . .
استفقت على صوت ما قادم من المطبخ . . لم ابالى اولاً الى ان ادركت حقيقه ان الكل نيام . . اقتربت بخطواتى من المطبخ فرأيت خيالاً يرتسم على الحائط . .
كان خيالها . .
مصدقاَ ام لا . . خائفاً ام لا . . مُفكراً ام لا . . تقدمت حتى صارت خطوه تفصلنى عن المطبخ . .
ها انا ذا قد دخلت اليه . .
الى الآن لا استطيع ان اجزم اذا كان ما رأيته حقيقهً ام وهماً , واقعاً ام خيالاً . .
لكنى رأيتها . . لجزء من عشره من الثانيه رأيتها . . بجسدها الممتلىء . . و جلبابها الفضفاض . . و نظرتها الى عينىّ مباشرهً . . وجهها . . السارح . . الصامت . . المحدق فى الفراغ . . .
اجفلت و رجعت عده خطوات الى الوراء الى ان ارتطمت بأحد الحوائط . . .
رفعت عينىّ مره آخرى و ضربات قلبى تتسارع كطبول الحرب . . لأأجد المطبخ خالياً . . إلا منى . . .
عدت مترنحاً الى ( الصاله) و جلست على الاريكه مفكراً فيما حدث . . .
كنت مقتنعاً ان ما حدث حقيقياً . . و لم اكن على استعداد لأن اصدق غير ذلك . .
و لم يكن لذلك سوى معنىً واحداً ! . . لقد تحققت امنيتى . . .
لقد رأيتها و سأراها كثيراً . . ستظل معى . . و ستأ تـى لى وقتما تريد . .
عقاباً منها ام رحمهً لا اعلم . . كل ما انا متيقن منه صدقاً . . إنها قررت ان تعطينى هذا . . .
قررت ألا تنتهى . . .
و ان سنحت لى الفرصه فى احدى المرات ان نتكلم . . لن انطق إلا بسؤال واحد . . .
امى . .
هل سامحتينى؟
* * *
مينا عزت عازر
كتبت فى 7 / 8 / 2005
فى الذكرى السنويه الأولى
لوفاه امى

