اولى فصول الجحيم
اولى فصول الجحيم
كانت المره الأولى التى اخطو فيها الى داخل هذا المكان الموحش . .
كنت اتقدم الى الباب العملاق المنذر اياى بساعات عصييه سوداء كقلب كافر . .
شرد بصرى و انا انظر الى الطريق الرملى الممتد الى ما لا نهايه و تذكرت ساعات النعيم السابقه و تحسرت عليها . .
ما إن خطوت اول خطوه حتى غرقت فى بحر من النظرات . . .
نظرات غاضبه متحفزه منذره بالويل لهذا الضخم الجسم الذى جاء ليضيف إليهم عبئاً كبيراً و همّاً ثقيلاً . . .
نظرات مشفقه لسان حالها يقول " اى جنون دفعك لتأتى الى هذا المكان ! " . . و نظرات تائهه لا تعرف اصلاً كنه المكان الموجوده فيه . .
حاولت تلاشى النظرات و بدأت اعد خطواتى محاولاً الوصول الى نهايه هذا الطريق الذى بلا نهايه . . شعرت اننى حقاً تائه و كان منظر الرمال الممتده على امتداد البصر كفيلاً بجعل العرق يتصبب من وجهى رغم ان الشمس لم تكن قد اشرقت بعد فى هذه الساعه المبكره من الصباح . .
حاولت جاهداً استكشاف هذا المكان محاولاً التغاضى عن سرعه دقات قلبى التى وصلت الى معدل غير طبيعى . . و لكن إستكشاف المكان لم يزد الامر الا سوءاً . . كان هناك هذا الممر الشبيه بالخندق و الذى ينتهى بمساحه واسعه تحجبها الاسوار تماماً و التى لا تصلح لشىء سوى لتعاطى او تجاره البانجو و المخدرات . . الى هذا المكان الشاسع الذى يتجمع فيه الرجال المغتاظين دائماً و النساء المنتهين العمر الإفتراضى و الذى يعلم الله وحده كيف جاهدن حتى يبقين على قيد الحياه . . و لم اجد فى نظراتهم سوى عباره واحده هى " سوف نعرف كيف نجعلك تندم على اليوم الذى فكرت فيه فى الإتيان الى هنا " . . كنت اود ان اخبرهم انه " مكره آخاك لا بطل " و انهم ليسوا بحاجه الى مجهود فى الواقع كى يجعلوننى اندم ! . . لم استطع التوقف عن السير و الإنتقال من مكان الى مكان . . ان الوقوف هنا يحتاج الى قدر من الشجاعه لا امتلكه فى الواقع . . و هنا بدأ شعور يدب فى نفسى . . شعور الرعب . . نعم الرعب . . عندما تنظر الى هذه المساحه الشاسعه المقفهره الخاليه تقريباً الا من خمسه او سته من ( حالاتى ) . . للحظه فكرت ان افر . . ان اطلق ساقىّ للريح . . و اعود الى منزلى الرطب . . و لكن اللحظه التاليه كانت كفيله لأن اتذكر فيها ان هذا ببساطه مستحيل . . بداءت الاعداد تتزايد و لكن شعور الرعب لم يزل و ان جانبه شعور آخر هو الشعور بالإختناق . . وصلت الأعداد الى حد يصعب استيعابه . . و وصلت انا الى حاله يصعب احتمالها الى . . . . . . .
الى ان جاءت اللحظه الحاسمه . .
دوى الصوت قوياً . . ذلك الصوت الذى طالما كرهته طوال حياتى . . و فى ذعر و رعب اندفعت الاعداد الغفيره للبحث عن مكانها وسط تلك الاماكن الضيقه الخانقه التى لا يأخذ المرء فيها حقه الطبيعى من الأوكسجين بينما يغرق فى محيط من ثان اوكسيد الكربون . . و بدا لى المشهد كمشهد نهايه العالم كما انا متخيله . .
مئات الشباب يتدافعون ليتخبطوا ببعضهم و عشرات يتساقطوا تحت الاقدام ! . .
الكل يحاول ان يهرب من جحيم الى آخر اشد قسوه . . كأن مصيبه تلاحقك كى ترغمك على الذهاب لكارثه اكبر . . كل هذا و صوتاً جهورياً يأمرهم بالإسراع اكثر مما هم مسرعين و كنت متيقناً من وقوع كارثه . . و لم يخب ظنى كثيراً فسرعان ما سمعت صرخه ثم اثنتان ثم ثلاث من هؤلاء اللذين دهستهم الاقدام! . .
مرغماً وجدت نفسى مدفوعاً داخل هذا الحشد الهائل محمولاً - رغم ضخامه جسدى - من هؤلاء اللذين يحاربون كى يخطو خطوه واحده . .
للحظه اظلمّت الدنيا امام عيناى و لكننى ادركت - لذكائى الفائق - إن هذا الوقت غير ملائم بالمره كى اغفو فى غيبوبه فأفتح عيناى لادرك اننى سأظل فى هذا ( الساندويتش ) فتره طويله! . .
اخيراً تخف وطأه الزحام و تنتهى المعركه الداميه بعدد قليل من الإصابات . . ( نحمد الله اننى كنت من الاغلبيه) و لكن . .
كلمه " الراحه " هى آخر المفردات التى من الممكن ان تبحث عنها هاهنا . .
ما إن انتهى هذا الموقف حتى وجدت نفسى داخل حجره ضيقه مليئه بكل الوجوه التى من الممكن ان تتخيلها و إن كان الطبع الغالب على الوجوه هو العبوث إلا ان هناك فئه قليله جداً استطاعت ان تتأقلم مع المكان حتى انها وجدت القدره على رسم ابتسامه على شفتيها . .
" و هنا تذكرت ما قاله لى اول من تكلمت معه فى هذا المكان صبيحه هذا اليوم . . قال لى صاحبنا : مشكلتك انك تحاول ان تبحث عن شىء لا يثير الهم و الحزن فى هذا المكان . . اعلم يا رجل انك تبحث عن ما هو اصعب بمراحل عن المستحيل "
حقاً ادركت معنى ما قاله الآن . . .
بصعوبه وجدت قدراً من الأوكسجين كى اظل على قيد الحياه . . و بصعوبه وجدت بعض السنتيمترات كى ( احشر ) فيهم جسدى المكتظ . . بكبرياء دخل اولى فصول الجحيم ماشياً على قدميّن ليقول لنا ان الاسواء لم يأت بعد . . تملكنى السأس فاستسلمت له و الرجل يُخرج اولى كلماته الكثيره للغايه التى لا تنتهى و يقول :
" الآن . . تبدأ اولى حصصكم للصف الاول الثانوى بمدرسه جمال عبد الناصر الثانويه . . العسكريه . . للفائقين! "
اما ما خُيّل لى انه قاله فهو :
" مرحباً بكم فى . . اولى فصول الجحيم "
_____________________________________________
مينا عزت عازر 2000 / 9 / 8

