كلمــــــــــات . . . Just Words

July 4, 2008

إنتصرنا . . إنتصرنا . . إنتصرنا

Filed under: قصص قصيره


إنتصرنا . . إنتصرنا . . إنتصرنا

ها هى عاداتى الصباحيه . . انهض من مرقدى مع بدايات الصباح . . اهيم على وجهى بغير هدى فى الشوارع شبه الخاليه . . ابحث عن طيب القلب او المجنون الذى اعتاد ان يُلقى لى ببعض الطعام كل صباح . . اتناوله بنفسٍ منكسره . . ثم اواصل رحلتى اليوميه الروتينيه السخيفه . . اتوقف للحظات عند بائعه الجرائد . . اطالع عنواين الصحف بغير اهتمام علنى اجد فى مره شيئاً غير عادياً يثيرنى فانتصب و ارفع راسى نحو السماء و ابدأ فى إنشاد وصله غناء لا يفهمها غيرى انا . . ترمقنى بائعه الجرائد - كالعاده - بنظره غاضبه و تهم ان تقذفنى بحجراً تضعه دائماً على الجرائد كى لا تطير . . انكس رأسى ثانيه و انسحب فى خطواتٍ مُتثاقله . . أستأنف جولتى فى الشوارع متأملاً وجوه الماره . . لا احد على الإطلاق يعيرنى إهتماماً . . ما عدت استغرب هذا فهم توقفوا منذ زمن عن ان يعيروا إنتباهاً حتى لأنفسهم . . اجدنى مدفوعاً نحو هذا الشارع الذى اكرهه . . و فى نفس الوقت لا استطيع ان امنع نفسى من المرور فيه . . اتجه إليه و أخترقه و كأن هناك من يسيرنى . . اتوقف فى منتصف الشارع - كما اعتدت دائماً - امام شرفه منزل احدهم الواقعه بالدور الأرضى . . رغبه لا افهمها بداخلى تقودنى لأن اظل محدقاً بهذه الشرفه . . حتى يخرج صاحبها . . مرتدياً جلباباً مُقلماً بالطول من الكستور بهتت الوانه من كثره عدد مرات الغسيل . . حافى القدميّن . . يجلس الرجل على مقعد خشبى بالشرفه و يمد قدماه ليضعهما على مقعدٍ آخر امامه . . ثم يبدأ بممارسه طقسه اليومى الذى يبدو لى اسعد ما يقوم به فى الحياه . . يُخرج لفافه تبغ ماركه ( سوبر ) و عود ثقاب و يُشعل سيجارته بتمعن و تلذذ. . يسحب النفس الأول من السيجاره و ينفث دخانه ببطء و يأخذ رشفه من فنجان القهوه الذى وضعه على سور الشرفه ثم يبدأ بمطالعه الجريده من صفحتها الأولى بإهتمام . . ما الذى يعنى هذا الرجل من اخبار السياسه؟ . . هل هو مهتماً حقاً ام انه فقط يوهم نفسه بذلك حتى يظل تقديره لنفسه محفوظاً . . " انا رجل واعى اتابع بإهتمام لقاءات الرئيس مع قيادات فتح و حماس " . . اهكذا يقول لنفسه؟؟ . . افيق من تفكيرى على الرجل و قد انتبه آخيراً لوجودى واقفاً فى مواجهته و محدقاً . . و هنا يحدث الموقف الذى يجعلنى دائماً اكره هذا الشارع و هذه الشرفه و هذا الرجل . . يلف الرجل رأسه ليجعل عيناه فى مواجه عيناى مباشرهً . . ينظر بعينه الواسعتيّن المتحديتيّن الى عينىّ و يركز بصره . . كنت افهم تماماً معنى هذه النظره القاتله . . انه يخبرنى إنه لا يزال افضل منى . . نعم انه فقير و لكنه لا يزال افضل منى . . نعم لقد جردوه من كل شىء حتى حقه فى التنفس لكنه لا يزال افضل منى . . نعم حقوقه الأساسيه فى هذا المجتمع مستباحه يستطيع من يشاء من ذوى التصنيف ( أ ) و ( ب) و ( ج ) و ( د ) ان ينتزع منها ما يريد دون ان يكون له حق الإعتراض لكنه لا يزال افضل منى . . نعم هناك غيلان يتحكمون فى حياته و مصيره و تفكيره بشتى الطرق لكنه لا يزال افضل منى . . بزهو يفكر و اسمع تفكيره " على الأقل إن قُتلت فلن يذهب دمى هدر . . سأجد من يطلبه و سيؤخذ لى حقى ممن قتلنى . . فارقد فى تربتى مستريحاً . . اما انت إن قُتلت فمن سيهتم؟؟ . . ربما حتى لن تجد من يدفنك . . و لن يشعر القاتل بذره تأنيب ضمير على قتلك . .

كم تساوى حياتى ؟؟ و كم تساوى حياتك؟؟ . . إن مت قتيلاً انا فحياتى ستساوى آلاف آلاف الجنيهات سيحصل عليها الورثه . . نعم فقد كنت عائلهم الوحيد . . و إن مت انت فهل سيدفع احداً فيك مليماً؟؟ "

استمع الى حديثه الصامت . . متيقناً من صدق ما يقول . . فيعترينى اسواء شعور فى الحياه . . شعور لا يوصف بالمهانه و الذل و الإنكسار . . انكس رأسى اكثر حتى تقترب من ملامسه الأرض . . و انسحب من امامه . . فيعود هو بزهوه الإنتصار لمواصله مطالعه الجريده


* * *


مُذاكراتى عن يوم آخر جديد :

إستيقاظى المبكر . . إفطارى الذى اتسوله . . رحلتى الى بائعه الجرائد . . مطالعه العنواين . . همم . . يبدو ان هذا اليوم لن يكون يوماً عادياً . . اغادر بائعه الجرائد قبل حتى ان تلحظ وجودى فتغضب . . اسير بخطىً مُسرعه اقرب الى الركض مُباشرهً الى الشارع الذى اعتدت ان اكرهه . . تتحول خطواتى الى ركضاً فعلياً كلما اقتربت من الشارع . . ادلف اليه بقوه هذه المره و أنتظر خصمى بكل اللهفه حتى يخرج الى شرفته . . ها هو الباشا قد شرف . . يبدأ فى طقوسه اليوميه و انا انتظره بفارغ الصبر . . يطالع عنواين الجريده الرئيسيه بروتينيه كالعاده . . زياره الرئيس لفرنسا . . ساركوزى يقول شعراً فى الرئيس . . حنكه الرئيس . . حكمه الرئيس . . خبره الرئيس . . خبراً صغيراً يتزيل الصفحه . . ها هو يعتدل فى جلسته . . يبدوا عليه الإهتمام المفاجىء . . تتغير ملامح وجهه تدريجياً من الإهتمام الى الذهول و عدم التصديق الى الحنق و الغضب . . ثم الإنهزام . . الإنكسار . .

ينتبه فجاءه الىّ ربما من جراء صوت انفاسى اللاهثه من فرط الحماس . . نعم انا هنا ايها الأبله . . انظر إلى . . ينظر . . تتجمد عيناه رغماً عن ارادته فى مواجهته عيناى . . شتان الفارق بين نظره اليوم و نظره الأمس . . لم اشعر فى عينيه بأى معانٍ او كلام . . فقط نظرات خاويه
بلا هدف . . نظرت اليه بكل القوه . . هذه المره نظراتى انا من ستحمل اليك الكلام . . " ما رأيك الآن ايها السيد / افضل ؟؟ . . اين هو دمك و دم اخوتك الذى كنت تزعم غلو ثمنه؟؟ . . كم تساوى حياتك الآن؟؟ . . اعد قراءه الخبر بتمعن لتدرك حقيقه موقفك! . . ألفاً من اخوتك قُتلو . . هل دفع احد الثمن؟؟ . . هل اُدين احد؟؟ . . هل التفت احد لمن يطالب بدم هؤلاء؟ . . كم صارت تساوى حياتهم الآف الآلاف ام ملاليم الملاليم؟؟ . . ها هو القاتل واثق الخطوه يمشى ملكاً . . يتقابل مع هذا و يتحاور مع ذاك . . يُخرج لسانه لك فى مره و فى المره الثانيه يُجبرك انت ان تخرج لسانك كى تلعق حذائه . . لست افضل منى ابداً ايها المسكين . . ربما كان الرقم ألف هو من اثار انتباهك و جعلك ترى حقيقه وضعك فى هذا المجتمع ! . . جعلك ترى انك انت و اخوتك و ابناء عمومتك لستم بأفضل منى انا و من اقرانى فى الحال او فى المرتبه و التصنيف . . ربما كان الرقم الف صادماً لأنك لم تنتبه للأرقام الأصغر . . فلم تتوقف عند هؤلاء الثلاثه على تلك الحدود . . او هؤلاء العشرون فى اقصى الصعيد . . او هؤلاء ذوى العدد غير المُحصى خلف جدران السجون و المعتقلات و اقسام الشرطه . . لو كنت انتبهت لكنت ادركت الحقيقه منذ زمن و وفرت العناء . . لكنت ادركت حقيقه انك لا تختلف كثيراً عنى . . بل اننى افضل منك الآن . . نعم . . فعلى الاقل انا عارف لحقيقتى و متوافق مع نفسى . . اما انت فلازلت تكابر و لازلت تعد نفسك من بنى البشر "طال معه حديثى الصامت . . و انا مازلت شاخصاً الى عينيه كأسد يبعث رساله الى فريسته ان لا مفر . . و ادرك هو كل ما قلته . . ادركه ربما قبل ان اقوله . . و هنا حدث ما فاق خيالى و طموحاتى . . لقد وجدته ينكس رأسه امامى و يخفض عينيه الحمراوين المغلفتين بالدمع . . يضم قدميه لبعضهما كأنه يلملم ذيله الوهمى بينهما . . كل هذا و انا فاتح عيناى على إتساعهما إنبهاراً و نشوهً . . و مخرج له لسانى فى سفور . . لقد إنتصرت عليك أخيراً يا ابن آدم . . إنتصاراً لم يكن احد يتوقعه . . انتصرت لى و لأبناء جنسى عليك انت و ابناء جنسك . . و اثبت لك - و الفضل لأسيادك - انك " هنا" لا فرق ابداً بينك و بيننا . . و ان كنت لا زلت احياناً تضحك و تتكلم و تفكر كبنى البشر فانت تفعل هذا بقوه دفع امجاد الزمن الغابر لا اكثر . . حادثتين آخروين مثل حادثه اليوم و سوف اراكَ تنطق نباحاً

امضاء

كلب بلدى

كتبها مينا عزت عازر فى 4 / 7 / 2008

November 22, 2007

اولى فصول الجحيم

Filed under: قصص قصيره

اولى فصول الجحيم
كانت المره الأولى التى اخطو فيها الى داخل هذا المكان الموحش . .
كنت اتقدم الى الباب العملاق المنذر اياى بساعات عصييه سوداء كقلب كافر . .
شرد بصرى و انا انظر الى الطريق الرملى الممتد الى ما لا نهايه و تذكرت ساعات النعيم السابقه و تحسرت عليها . .
ما إن خطوت اول خطوه حتى غرقت فى بحر من النظرات . . .
نظرات غاضبه متحفزه منذره بالويل لهذا الضخم الجسم الذى جاء ليضيف إليهم عبئاً كبيراً و همّاً ثقيلاً . . .
نظرات مشفقه لسان حالها يقول " اى جنون دفعك لتأتى الى هذا المكان ! " . . و نظرات تائهه لا تعرف اصلاً كنه المكان الموجوده فيه . .
حاولت تلاشى النظرات و بدأت اعد خطواتى محاولاً الوصول الى نهايه هذا الطريق الذى بلا نهايه . . شعرت اننى حقاً تائه و كان منظر الرمال الممتده على امتداد البصر كفيلاً بجعل العرق يتصبب من وجهى رغم ان الشمس لم تكن قد اشرقت بعد فى هذه الساعه المبكره من الصباح . .
حاولت جاهداً استكشاف هذا المكان محاولاً التغاضى عن سرعه دقات قلبى التى وصلت الى معدل غير طبيعى . . و لكن إستكشاف المكان لم يزد الامر الا سوءاً . . كان هناك هذا الممر الشبيه بالخندق و الذى ينتهى بمساحه واسعه تحجبها الاسوار تماماً و التى لا تصلح لشىء سوى لتعاطى او تجاره البانجو و المخدرات . . الى هذا المكان الشاسع الذى يتجمع فيه الرجال المغتاظين دائماً و النساء المنتهين العمر الإفتراضى و الذى يعلم الله وحده كيف جاهدن حتى يبقين على قيد الحياه . . و لم اجد فى نظراتهم سوى عباره واحده هى " سوف نعرف كيف نجعلك تندم على اليوم الذى فكرت فيه فى الإتيان الى هنا " . . كنت اود ان اخبرهم انه " مكره آخاك لا بطل " و انهم ليسوا بحاجه الى مجهود فى الواقع كى يجعلوننى اندم ! . . لم استطع التوقف عن السير و الإنتقال من مكان الى مكان . . ان الوقوف هنا يحتاج الى قدر من الشجاعه لا امتلكه فى الواقع . . و هنا بدأ شعور يدب فى نفسى . . شعور الرعب . . نعم الرعب . . عندما تنظر الى هذه المساحه الشاسعه المقفهره الخاليه تقريباً الا من خمسه او سته من ( حالاتى ) . . للحظه فكرت ان افر . . ان اطلق ساقىّ للريح . . و اعود الى منزلى الرطب . . و لكن اللحظه التاليه كانت كفيله لأن اتذكر فيها ان هذا ببساطه مستحيل . .  بداءت الاعداد تتزايد و لكن شعور الرعب لم يزل و ان جانبه شعور آخر هو الشعور بالإختناق . . وصلت الأعداد الى حد يصعب استيعابه . . و وصلت انا الى حاله يصعب احتمالها الى . . . . . . .
الى ان جاءت اللحظه الحاسمه . .
دوى الصوت قوياً . . ذلك الصوت الذى طالما كرهته طوال حياتى . . و فى ذعر و رعب اندفعت الاعداد الغفيره للبحث عن مكانها وسط تلك الاماكن الضيقه الخانقه التى لا يأخذ المرء فيها حقه الطبيعى من الأوكسجين بينما يغرق فى محيط من ثان اوكسيد الكربون . . و بدا لى المشهد كمشهد نهايه العالم كما انا متخيله . .
مئات الشباب يتدافعون ليتخبطوا ببعضهم و عشرات يتساقطوا تحت الاقدام ! . .
الكل يحاول ان يهرب من جحيم الى آخر اشد قسوه . . كأن مصيبه تلاحقك كى ترغمك على الذهاب لكارثه اكبر . . كل هذا و صوتاً جهورياً يأمرهم بالإسراع اكثر مما هم مسرعين و كنت متيقناً من وقوع كارثه . . و لم يخب ظنى كثيراً فسرعان ما سمعت صرخه ثم اثنتان ثم ثلاث من هؤلاء اللذين دهستهم الاقدام! . .
مرغماً وجدت نفسى مدفوعاً داخل هذا الحشد الهائل محمولاً - رغم ضخامه جسدى - من هؤلاء اللذين يحاربون كى يخطو خطوه واحده . .
للحظه اظلمّت الدنيا امام عيناى و لكننى ادركت - لذكائى الفائق - إن هذا الوقت غير ملائم بالمره كى اغفو فى غيبوبه فأفتح عيناى لادرك اننى سأظل فى هذا ( الساندويتش ) فتره طويله! . .
اخيراً تخف وطأه الزحام و تنتهى المعركه الداميه بعدد قليل من الإصابات . . ( نحمد الله اننى كنت من الاغلبيه) و لكن . .
كلمه " الراحه " هى آخر المفردات التى من الممكن ان تبحث عنها هاهنا . .
ما إن انتهى هذا الموقف حتى وجدت نفسى داخل حجره ضيقه مليئه بكل الوجوه التى من الممكن ان تتخيلها و إن كان الطبع الغالب على الوجوه هو العبوث إلا ان هناك فئه قليله جداً استطاعت ان تتأقلم مع المكان حتى انها وجدت القدره على رسم ابتسامه على شفتيها . .
" و هنا تذكرت ما قاله لى اول من تكلمت معه فى هذا المكان صبيحه هذا اليوم . . قال لى صاحبنا : مشكلتك انك تحاول ان تبحث عن شىء لا يثير الهم و الحزن فى هذا المكان . . اعلم يا رجل انك تبحث عن ما هو اصعب بمراحل عن المستحيل "
حقاً ادركت معنى ما قاله الآن . . .
بصعوبه وجدت قدراً من الأوكسجين كى اظل على قيد الحياه . . و بصعوبه وجدت بعض السنتيمترات كى ( احشر ) فيهم جسدى المكتظ . . بكبرياء دخل اولى فصول الجحيم ماشياً على قدميّن ليقول لنا ان الاسواء لم يأت بعد . . تملكنى السأس فاستسلمت له و الرجل يُخرج اولى كلماته الكثيره للغايه التى لا تنتهى و يقول :
" الآن . . تبدأ اولى حصصكم للصف الاول الثانوى بمدرسه جمال عبد الناصر الثانويه . . العسكريه . . للفائقين! "
اما ما خُيّل لى انه قاله فهو :
" مرحباً بكم فى . . اولى فصول الجحيم "
_____________________________________________
مينا عزت عازر                                               2000 / 9 / 8 

May 18, 2007

صِله لا تنتهى

Filed under: قصص قصيره

صِله لا تنتهى
" كل ما اردته ان اراها "
قلتها داخلى من اعماق اعماق قلبى و بكل جوارحى تذكرتها و هى تعتصرنى بين احضانها فى المره الآخيره التى ذهبت فيها للزياره . . منذ عده اشهر مضت . . .
* * *
لظروف ما عشت بعيداً عنها , شائت الأقدار ألا اراها او اتحدث معها إلا مرات محدوده كل عام , و ان اعلم اخبارها و أنا جالس فى مكانى . . .
* * *
استيقظت فى منتصف الليل على رنين جرس الهاتف لأجد من يخبرنى إنها مريضه جداً و يجب ان احضر حالاً . . .
لسبب ما , لم يكن عندى شك فى انها رحلت , جلست على حافه سريرى و تذكرت وجهها بكل الصور الممكنه و فى كل المواقف التى جمعتنا سوياً . . تذكرت وجها الباسم , الضاحك , الغاضب و الحزين
بكيت؟؟ لم ابكى ! ظللت مشدوهاً احدق فى لا شىء
بعقلٍ ابعد ما يكون عن الوعى , و جسدٍ خارت قواه , ارتديت ملابسى و استوقفت سياره اجره ذاهباً اليها . . .
غزتنى افكاراً شتى فى طريقى اليها . . عن الموت ! احطه بكل ادوات الإستفهام فلم اجد جواباً ! عن الندم . . و عن علاقتى بها ! كينونتها و كيفيه صمودها رغم كل شىء . . عل اغفلتها؟ . . هل استطعت ان اتناساها؟ . . هل حاولت؟ . . و ان حاولت فهل هذا ممكن الحدوث؟ . . هل كنت مذنباً؟ . . هل اعتبرتنى هى مذنباً؟ . . اسئله بديهيه و إن الإجابه بنعم هى عين المنطق , و كم كنت سابقاً احاول ان اجد إجابات مغايره لأكثر الاسئله بداههً . . فقط لأن الإجابات لم تكن على هواىّ . .
اما هذه المره فاستسلمت للحقيقه ! لن اكابر و لن ابرر ! مذنباً انا و لو اخبرتنى الدنيا بالعكس . . .
صاعداً الى المنزل اخترقت بحوراً من اللون الأسود و تحاشيت انهاراً من الدموع فى عيون النسوه . . . و الرجال , تلقيت التعاذى صامتاً كالقبر , و جلست على احد المقاعد فى مثل حالتى الاولى . . سارحاً . . صامتاً . . محدقاً فى الفراغ . . .
و فى داخلى ظل صوت يتضخم و يتكرر بلا هواده او انقطاع . . .
" يجب ان اراها , لابد ان اراها . . . "
مر ما يقرب من ساعه و انا غير مدرك لما يدور حولى , احاول ان اقاوم الرغبه و ان اخنق الصوت بلا جدوى . . .
الى ان وجدتنى اندفع تجاه حجرتها و الكل يحاول إيقافى . . ادير قبضه الباب . . افتحه و ادلف الى الحجره و التف سريعاً لأغلقه خلفى . . .
تجمدت لحظات ناظراً للباب الذى اغلقته و معطياً ظهرى للسرير الذى يتوسط الحجره . . . و عليه ترقد . .
استجمعت اشلائى و استدرت لأرى جسدها المُسجّى . . اقتربت فى خطواتٍ تزن الف طن و ركعت على مقربه من وجهها ( النائم) فى سلام و المشوب ببعض الزُرقه . . .
دارت بيا الدنيا . . و فى حيره و غضب و حزن لا يماثله حزن . . انفجرت - و لأول مره - فى البكاء . . شعرت ان الحجره ترقص بى ثم ادركت انه انا من يفقد توازنه . . .
ان ما رأيته سيظل ماثلاً امامى ما حييت . . .
خرجت مسرعاً قبل ان ارقد بجوارها فى غيبوبه . . تخطيت الكل و اتجهت الى الشرفه . . .
و اكملت ليلتى بكاءاً . . .
* * *
مرت الساعات ثقيله بين مراسم الدفن و صلاه الجنازه . . عدت الى المنزل . . و انتظرت حتى رحل آخر المعذيين و قرر جميع من فى البيت انهم بحاجه الى القليل من النوم . . .
تركونى وحيداً فى (صاله) المنزل . . اغمضت عينى و راح شريط الأحداث يدور فى رأسى مُعَذِباً . . ليس شريط احداث ليله . . بل شريط احداث عًمرٍ بأكمله . . .
استفقت على صوت  ما قادم من المطبخ . . لم ابالى اولاً الى ان ادركت حقيقه ان الكل نيام . . اقتربت بخطواتى من المطبخ فرأيت خيالاً يرتسم على الحائط . .
كان خيالها . .
مصدقاَ ام لا . . خائفاً ام لا . . مُفكراً ام لا . . تقدمت حتى صارت خطوه تفصلنى عن المطبخ . .
ها انا ذا قد دخلت اليه . .
الى الآن لا استطيع ان اجزم اذا كان ما رأيته حقيقهً ام وهماً , واقعاً ام خيالاً . .
لكنى رأيتها . . لجزء من عشره من الثانيه رأيتها . . بجسدها الممتلىء . . و جلبابها الفضفاض . . و نظرتها الى عينىّ مباشرهً . . وجهها . . السارح . . الصامت . . المحدق فى الفراغ . . .
اجفلت و رجعت عده خطوات الى الوراء الى ان ارتطمت بأحد الحوائط . . .
رفعت عينىّ مره آخرى و ضربات قلبى تتسارع كطبول الحرب . . لأأجد المطبخ خالياً . . إلا منى . . .
عدت مترنحاً الى ( الصاله) و جلست على الاريكه مفكراً فيما حدث . . .
كنت مقتنعاً ان ما حدث حقيقياً . . و لم اكن على استعداد لأن اصدق غير ذلك . .
و لم يكن لذلك سوى معنىً واحداً ! . . لقد تحققت امنيتى . . .
لقد رأيتها و سأراها كثيراً . . ستظل معى . . و ستأ تـى لى وقتما تريد . .
عقاباً منها ام رحمهً لا اعلم . . كل ما انا متيقن منه صدقاً . . إنها قررت ان تعطينى هذا . . .
قررت  ألا تنتهى . . .
و ان سنحت لى الفرصه فى احدى المرات ان نتكلم . . لن انطق إلا بسؤال واحد . . .
امى . .
هل سامحتينى؟
* * *
مينا عزت عازر
كتبت فى 7 / 8 / 2005
فى الذكرى السنويه الأولى
لوفاه امى 

November 22, 2006

من الجـــــــــــانى؟

Filed under: قصص قصيره


من الجــــــــــــانى


كعادته غادر عمله فى فتره ما بعد الظهيره . . و كعادته سار فى هذا الطريق المزدحم محاولاً تفادى الإصطدام بالناس . .

على غير العاده رأى وجهاً مألوفاً قادماً من الجهه المقابله . . . وجهاً لم يره منذ عشرون عاماً . . . وجه اخاه . . .

و التقت عيناهما . . لم يدر الأخ الأكبر ماذا يفعل , او ماذا يقول , هاهو الوجه الذى فارقه من سنين . . الوجه الذى ظل مبتعداً عنه مدناً بل و بلاداً . . هاهو الآن فى مدينته و يسير فى نفس الطريق الذى اعتاد السير فيه . . بل و يقف فى مواجهته الآن . . كل ما احس به الأخ الأكبر هو الغضب و كأن هذا الوجه هو آخر وجه يريد ان يراه فى حياته . . فهمّ بالإنصراف . . إلأ ان يداً قويه امسكت بساعده فتصلب فى مكانه و لأول مره منذ عشرون عاماً سمع صوت اخاه الأصغر :

- " ازيــــــــك ؟ "

و بصوتٍ خالٍ من اى تعبير و بعينان حاول ان يبعدهما قدر الإمكان عن وجه اخيه اجاب :

- " كويــــــــس "

- " و المدام و الاولاد ؟ "

و بنفس الطريقه اجاب

- " كويسيـيـن "

و يهم بالإنصراف مره آخرى محاولاً إنهاء هذا اللقاء الذى دام لثوانٍ بدت له كدهر . . إلأ إن نفس اليد إمتدت ثانيهً لتوقفه :

- " وحشتنــــى "

و لأول مره نظر الأخ الأكبر فى عينىّ اخيه بثبات و قال "

- " عارف . . عارف إنى وحشتك . . و بوحشك . . بس الفلوس بتوحشك اكتر . . الفـــلوس ! . . عارفها ؟ . . الدولارات! . . الرُزم ! . . "

و بلهجه صادقه قال الأخ الأصغر :

- " عدت عشريــــــن سنه . . "

و كأن الأخ الأكبر اكتشف فجاءه ان كم هى طويله المده التى مضت فقال :

- " يــــااااه . . عشرين سنه ! . . كويس إنك فاكر إنه عدت عشرين سنه إتمتعت فيها كل لحظه . . بفلوسى ! . . "

لم ييأس الأخ الأصغر من المحاوله بل قُـل إن شيئاً بداخله كان اقوى من اليأس فقال :

- " الصدفه هى أللى جمعتنا . . اكيد لسبـب . . "

حاول الأخ الأكبر ان يتهى هذا الهُراء مره جديده فقال بلهجه حاسمه :

- " عايز ايه ؟ "

فوجىء الأخ الأصغر بعينيه و قد إغرورقت بالدموع و هو يقول :

- " عايز اخدك فى حضنى "

و بجمود قال الأخ الأكبر :

- " ما يـنـفـعـش . . "

- " عايز اتعرف على مراتك و العب مع اولادك . . "

و بنفس الطريقه كانت إجابه الأأخ الأكبر :

- " بيتى متحرم عليك . . "

ازدادت الدموع فى عينى الأخ الأصغر حتى نزلت منها واحده على خده و هو يقول بصوت متهدج :

- " لــــيــــــه ؟ "

- " لأن إللى بتكسره الخيانه عمره ما بيتصلح . . خصوصاً لو إرتبطت بشىء رخيص اسمه الفلوس . . "

و هنا وصل الأخ الأصغر لذروه إنفعاله و انفجر قائلا ً :

- " كفايه ! . . كفايه بقى ! . . فلوس ! فلوس ! فلوس ! ملعون ابو الفلوس . . عشــرين سنه بتبعد . . عشـرين سنه مقاطع . . عشـرين سنه عدت . . ولسه بتتكلم على الفلوس . . ياخى ملعون ابوها فلوس . . "

وهنا حدث آخر شىء من الممكن توقعه . . لقد إنفجر الأخ الأكبر ضاحكاً . . ضحكه عاليه صاخبه لدرجه جعلت الناس تتوقف وتنتبه لما يحدث و إستدار فجاءه فى حركه مسرحيه لجمع من الوقوف قائلاً :

- " شايفيــن ؟ . . شايف يا حاج ؟ . . شايفه يا حاجه ؟ . . اخويا بيلعن الفلوس ! . . باعنى بالفلوس . . و بعد عشرين سنه . . جاى يلعن الفلوس . . "

كل هذا و الأخ الأصغر فى مزيج من الذهول و الحسره و الندم , إستدار الأأخ الأكبر ناحيه اخاه و كأنه احس بما يعتمل فى نفسه فقال :

- " للأسف جاى تندم متأخر اوى . . بعد ما بعت و خنت و خدت التلاتين من الفضه . . ندمك متأخر اوى . . "

و اشار بأصبعه إلى السماء و بكل قوه اكمل :

- " حتى ربنـا ما بيقبلوش . . "

إنهار الأخ الأصغر تماماً و إنهمر فى بكاءاً كبكاء الاطفال . صارت الرؤيه عسيره بالنسبه له و كأنه فى طريقه إلى غيبوبه . . صار فكره مشوش و لا يرى امام عينيه سوى صوره مهتزه لأخاه الأكبر و هو يقول :

- " ده حتى يهوذا يا أخى . . يهوذا ! . . ماكنش أخو المسيح . . "

كان هذا فوق إحتمال الأأخ الأصغر الذى صرخ بكل ما أوتيه من قوه :

- " كفايه بقى ! "

و يكمل الأخ الأكبر :

- " إللى عملته شىء حقير مالوش وصف . . عمرك كله مايكفكش ندم عليه . . "

و يصرخ الأخ الأصغر مجدداً :

- " كفـايه ارجوك ! "

و يشير الأخ الأكبر مره إلى اسفل و آخرى إلى اعلى و هو يكمل بصوتاً كالرعد :

- " حتفضل ملعون فى الارض . . و ملعون فى السما . . "

يستمر الأخ الأأصغر فى الصراخ :

- " كفـايه ! كفايــه ! كفايــه ! "

و لا يدرى بنفسه و هو يخرج (مطواه) حاده من جيبه و يشهرها فى وجه أخيه الأكبر الذى اربكه هول الصدمه فألجم لسانه لثوان ٍ , سرعان ما استعاد بعدها رباطه جأشه و بذهول لم يفارقه قال :

- " ايه ده ؟ . . عايز تقتلنى . . ؟ . . إقتل . . سرقتنى و بعد عشرين سنه عايز تقتلنى . . ؟ . . إقتل . . ما انت فاسد . . خلاص وقعت و الشيطان إتمكن منك . . و الوساخه بقت فى دمك . . "

و بصوت اعلى صرخ و قد تملكه الغضب :

- " إقتل . . إقتل اخـــــــــــوك . . ! "

لم يكن الأخ الأصغر فى الواقع بحاجه إلى الامر الأخير فقد كان مغيباً تماماً عما يدور حوله و بكل شراسه و قسوه إنقض على أخاه الأكبر و غرس ( مطواته ) فى بطنه و اخرجها سريعاً . . وطعنه ثانيه . . و ثالثه . . و آخرى رابعه . .

إمتلأ جسد أخيه الأكبر بنزيف الدماء . . وجحظت عيناه جحوظ ألم و غضب و عدم تصديق . . وترنح . . و سقط ارضاً و بجواره . . سقطت ( المطواه) من يد الأخ الأصغر و سقط هو بجوارها جاثياً على ركبتيه . . و غاب عن العالم فى حاله من البكاء المُر وسط دائره من الناس إلتفت لتتابع ما يحدث . . .


* * *


لم يدر الأخ الأصغر كم من الوقت مر حتى جاءت عربه الإسعاف و اعلن طبيبها أن اخاه قد فارق الحياه . . و لم يدر كم من الوقت مر حتى وصلت عربه الشرطه و هبط منا إثنان ليضعا الأصفاد فى يديه فى اسهل عمليه قبض قاما بها فى حياتهما . . لم يدر الأخ الأصغر بشىء على الإطلاق . .كل ما رأه و أدركه و ظل يقسم به طوال الفتره التى سبقت تنفيذ حكم الإعدام . . انه رأى أخاه - او بالأحرى جثته - . . تبتسم . . إبتسامه نصر . . إبتسامه لذه . . إبتسامه تشفى . . إبتسامه سخريه و إستهجان . .

أبتسامه تحمل كل معانى الإنـتـقـام . . .


" تمــــــــــــــــــــــــــــــت "

November 8, 2006

البوم الذكريات

Filed under: قصص قصيره


البوم الذكريات


جالساً على اريكتى المفضله . . . اتابع ببصرى حديث ولدى المراهق الخافت فى الهاتف و ادرك ماهيه الطرف الآخر . . .

ادور ببصرى لأجد ابنتى تهرع نحو هاتفها الخلوى لتتلقى رساله جديده . . يتغير لون وجهها و يظهر السرور الذى سرعان ما تحاول إخفاءه . . لم يكن من الصعب تخمين مُرسل الرساله . . .

أغض بصرى عن كلاهما . . فلا اريد ان احرمهما من اكثر لحظات حياتهما سعاده . . و أيضاً لا اريد ان ابدو بمظهر المتحرر اكثر من اللازم . . فالأفضل ألا يعلما انى اعلم . .

ادير بصرى ليلتقى بوجه امهما الحنون . . اكثر الامهات حنوً على ابناءها و اكثر الزوجات طيبه . . عشرون عاماً قضيناها سوياً . . . .

لا اتذكر مشكله وقعت بيننا طوال هذه السنون , كانت الخلافات الزوجيه بالنسبه لنا مجرد مشاهد سينمائيه او تليفزيونيه او حواديت جيران تثير بسمه جميله فى امسياتنا الهادئه . . . .

اذوب فى إبتسامه الرضا تلك التى تعلو دائماً شفتيها لشعورها بأننا عبرنا بسفينه العمر الى بر الآمان دون عواصف او اعاصير او ادنى قدر من الخطوره ..

. . .

افيق من ذكرياتى على صوت ارتطام , امد بصرى لركن بعيد من الشقه لأجد ابنتى ذات السبع سنوات تعبث - كعادتها - فى حاجيات الآسره المنسيه و المهمله معتقده انها سوف تعثر على الكنز وسط هذه الاشياء . . .

اتابعها ببصرى وهى تنحنى لتلتقط كتاباً ما ذو طبقه لازالت لامعه رغم الغبار . .

إذاً فهذا الكتاب هو سبب دوى الإرتطام , تنظر الفتاه إلىّ و فى عينيها تساؤل : -

- " ابى . . . ما هذا ؟ "

انظر لها بألم و ابعث لها بنظره توسليه لسان حالها يقول :-

- " ارجوكِ . . لا تفتحى هذا الكتاب ! "


لقد كان الكتاب . . البوم الذكريات


* * *


اهرع نحو إبنتى الصغيره . . انتزع من يدها الكتاب . . اضمه الى صدرى . . و اعود ادراجى الى اريكتى لأتكور عليها محتضناً الكتاب دون ان انطق ببنت شفه . . .

كان الامر بالنسبه للآسره اكثر من مجرد امر غير مُبرر . . فطوال حياتى معهم لم يعتادوا منى التصرفات الغريبه . . كانت حياتى بالنسبه لهم كتابٍ مفتوح . . ظللت طوال عشرون عاماً . . الآب و الزوج المثالى . . الذى لا يخطىء . . الذى ينصح و يرشد و يوجه الجميع فقط لأنه هو الذى يرى الامور فى نصابها الصحيح . . كان غريباً بل و مريباً ان يوجد لدى تلك الشخصيه القياديه ما يخفيه . . .

إلا ان احداً لم يجرؤ ان يسأل . . كانوا يعلمون اننى سأخبرهم بالسر عاجلاً ام أجلاً و إن لم افعل فالامر - بالفعل - اخطر من ان يُناقش . . .

سرعان ما نسى او تناسى الجميع ما حدث و عاد الى ما كان يفعله . . .

عدا الزوجه التى ظللت فتره اطول تحدق و عيناها تحمل الف سؤال . . .

لا تجرؤ ان تسأل . . . لأنها تشعر إنى لا اجرؤ ان اجيب . . .

لأول مره لم يستطع عقلى - الدائم الوعى - ان يدرك الزمن فلم اشعر بنفسى إلا و الليل يخيم على كل شىء و انا لازلت ممسكاً بالالبوم متكوراً فى مكانى منذ بدء اليوم . . . .

ولم يعيدنى الى دنيا الواقع سوى صوت صراخ و جمله منفعله تخرج من فم زوجتى :-

- " اياك ان اسمعك تتحدث مره اخرى هكذا عن والدك ! "

- " إذاً فما هو تفسيرك ؟ "

- " بالتأكيد هناك تفسير و لكنه ليس من شأننا , فليس من حقنا ان نعلم عن اباك كل شىء , ان له خصوصياته التى يجب ان تُحترم ! ! ! "

و لكننى كنت ادرك انها لا تعنى ما تقول فهذه هى المره الاولى على ما اعتقد التى تتحدث فيها بلهجه غاضبه مع احد ابناءها مهما عظم شأن الامر و هذا إن دل على شىء فهو يدل على ما تجيش به نفسها من حيره و قلق بل و ربما . . . من غضب . . . .

يمر طفلى الشاب من امامى . . تلتقى عينانا . . يتسمر فى مكانه . . و ينظر لى بتحدى . . بتوسل . . كأنه مُصر ان يسأل . . اتشبث اكثر بالالبوم و احمله و اتجه به الى الشرفه . . اتصنت . . استمع لوقع خطواته قادمه نحوى . . اتيقن من انه لا مفر . . يقف بجوارى دون ان ينطق . . تلفحنا نسمات الليل الصيفيه العذبه لتنعش روحانا . . .

- " ماذا تريد ؟ "

- " ان اعرف . . . . "

-" أانت مُصر ؟ ؟ "

- " نعم ! ! "

- اتتحمل نتيجه قرارك دون ندم ؟ "

- " لقد علمتنى الا اندم على اى قرار إتخذته . . . "

- " ربما كنت مخطئاً ! "

صمت كلانا ردح من الزمن . . اخرجت علبه السجائر من جيبى لألتقط واحده بفمى . . انهمك فى إشعالها ثم ابادره بسؤال : -

- " ما اسمها ؟ "

- " ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ "

- " صديقتك تلك التى تتحدث معها بصوت خافت فى الهاتف . . . "

- " ! ! ! ! ! "

- " مم تخاف ؟ . . الا ترى ان هذا من حقك ؟ "

- " ر . . . ريهام . . "

- " كم فتاه تعرف عداها ؟ "

- " . . . . . . . . . "

- " إذا كنت تريد المصداقيه فأبتدأ بها انت اولاً . . . "

- " ليس كثيراً . . ربما اثنين ثلاثه . . . "

- " هل تبادلهن جميعاً نفس الشعور الذى تبادله لريهام ؟ "

- " بالطبع لا . . هناك من اتخذهن كمجرد صديقات . . و هناك من اصاحبهن بغرض اللهو و التسليه و المتعه . . و لكن . . ريهام . . "

توقف برهه عن الكلام ليسيطر على إنفعال جارف ظهر على وجهه , إنه مازال واضعاً فى الإعتبار انه يتحدث الى ابيه . . ثم اكمل : -

- " اجمل ما فى شعورى نحوها انه شعور لا يوصف . . اشعر معها بالامان و الحنان . . اشعر انى ابيها و إبنها . . مسئول عنها و محتاج لرعياتها . . اشعـ . . "

- " اريدك تن تقطع علاقتك بها نهائيا . . لا تراها . . لا تحدثها . . بل و حتى لا تحلم بها اثناء نومك . . ما قولك ؟ "

بنظره جزع حقيقيه :

- " و لكن هذا ببساطه مستحيل . . إنها كل . . "

بحنان الآب على ابنه اربت على كتفه قائلاً بلهجه هادئه : -

- " لا تقلق . . لست انا من يحرم ابنه من اسمى لحظات حياته . . . "

ثم كانت فتره الصمت الطويله . . حدقت ببصرى طويلاً فى العدم . . . . غصت فى بحر الذكريات . . إغرورقت عيناى بدمعتان جاهدتا ليظهرا فى مقلتاى . . ولأول مره منذ سنوات احطم حاجز الصمت . . . و اتكلم : -

- " إن هذا هو ما حدث لى . . كنت اخطو خطواتى الاولى فى مرحله المراهقه . . مرحله الذروه فى كل شىء . . كنت اتحسس طريقى الى عالم الجنس الآخر . . عندما اصطدمت بها . . كانت إبنه الجيران . . بدايه تقليديه . .
ما زلت اتذكر اول ليله قضيتها بلا نوم . . ما زلت اتذكر اول ضحكه صافيه . . ما زلت اتذكر اول نظره . . . "

- " . . . . نعم كنت اعتقد إنها سن المراهقه . . و إن شيئاً كهذا سينسى فى حينه . . كم كنت احمق غبى . . إن جذر الحب يثبت فى القلب ليتحدى اعتى الرياح . . . . . . . "


* * *


- " كانت اول حب فى عمرى . . كانت اهلى و كل اصحابى . . كانت عمرى . . كنت بحس إنها من دمى . . اختى . . حبيبتى . . . . "

تسللت لأذنى كلمات اغنيه محمد فؤاد من ( كاسيت ) الجيران ,. فأستمعت لبرهه ثم اكملت :

- " مع الوقت كان يزيد تيقنى ان نزوه المراهقه لا تكون ابداً بهذا الشكل . . ان تشعر انك وجدت الانسان الوحيد فى العالم الذى يفهمك . . الإنسان الوحيد الذى يشعر بك . . الإنسان الوحيد الذى تلتقى افكاركما على نفس الموجه . . الإنسان الوحيد الذى تشعر تجاهه بشعور لا تعرف انت نفسك كنيته . . الإنسان الذى كلما ابتعد عنك ذاد تفكيرك فيه بمراحل . . الإنسان الذى اصبح يشاطرك لحظات حزنه و المه و فرحه . . كان من المستحيل الا يكون هذا هو الحب . . وكان من المستحيل ان يكون بعد هذا الحب . . حباً آخر . . . "

- " ما كنتش عارف إن هوانا ممكن يتحرك جوانا . . و يضيع قلبى فى هواها . . و يرضى ببعدها . . "

طنت اتحدث بإنفعال جارف واضح على كل خلجه من خلجات وجهى و كنت فى طريقى لأن اواصل حديثى و سردى مشدوهاً بأحداث الماضى الساحر , لولا ان لكزنى ابنى لينبهنى ان زوجتى قد جاءت و لكن . . هيهات . .لقد هدمت حاجز الصمت الاى الآبد . . لقد إنفجر بركان الآهات . . . .

استدرت و نظرت إليها بنظره تحمل الكثير من التحدى و . . المصارحه . . و لا اعلم لماذا بادلتنى النظره بنظره قلق . . كأنها كانت تعلم ان تلك هى اللحظه التى عاشت حياتها كلها تخشاها . . و لكننى اكملت :

- " كنا قد وصلنا الى المرحله الجامعيه و لم يخفت الحب لحظه واحده . . . و جاءت لى فى واحده من ايام الحياه القلائل التى تظل محفوره فى ذاكره الإنسان . . . الرجفه فى يديها . . و الدمع فى عينيها . . و الكلمات على شفتيها . . تعاند فى إصرار . . ترفض الإنصياع . . لحظات مرت حتى إستطاعت ان تروض كلماتها و تُخضع قلبها . . حتى تخبرنى إنها ستتزوج . . لماذا؟؟ و كيف ؟؟ و اين ؟؟ و متى ؟؟ و هل حقاً ؟؟ . . تطايرت علامات الإستفهام لتحلق داخلى . . لأنى لم انطق ببنت شفه . . كان يكفى ما تعانيه و تتكبده . . إن بداخلها حزن يعادل حزنى . . إلا ان كلانا يعلم إننا لا نملك اقدارنا . . لا نملك قرارنا . . و كلانا يعلم ما هو اهم بكثير . . إن كلانا لن يفقد ذره من حبه . . لأن الحب الحقيقى لا يقوى عليه حتى الموت . . . "

نظرت الى زوجتى الحبيبه نظره لا اعلم إن كانت حملت ما يعتمل فى نفسى من مشاعر . . إمتنان . . و إعتذار . . وعتاب دفين . . . . و كراهيه غير مبرره . . و استمر حديث العمر : -

- " و مرت سنون و انا احبها كل يوم اكثر من ذى قبل . . التقيت بوالدتك . . وجدت فيها الزوجه الطيبه . . و توسمت فيها الام الحنونه العطوفه على اولادها . . فقررت إنها شريكه الحياه المثاليه . . تزوجنا و اكملنا معاً عشرون عاماً ناجحه . . و لكن دون ان تملك ذره واحده من قلبى . . قلبى المرهون . . قلبى المباع لشخص واحد فقط . . من إستحوذ عليه الى ان يشاء رب العباد . . . . "

و لأول مره منذ امد بعيد . . انفض الغبار من اعلى الالبوم . . البوم الذكريات و بحرص . . و امام عينىّ زوجتى المنهاره و بين بحور دموع عيناها الهادئتين . . افتح . . الالبوم على صفحته الاولى . . التى تتوسطها صوره كبيره لفتاه جميله الملامح . . اغوص و عينىً فتاتى فى الصوره . . يرون فى عينىً نظره لم يروها طوال عشرون عاماً . . يتجه إصبعى المرتجف . . نحو الصوره . . يعجز لسانى سوى عن نطق كلمتان لا ثالث لهما : -

- "
حبيبـتى الوحيــده ! ! "

ينفض الجميع من حولى . . ليتركونى لبركان مشاعر اسلمت له نفسى لينفجر فى وجهى . . ربما كان ما حدث هو نهايه لأحد اكثر الآسر إستقراراً و سعاده و مثاليه . . . .

و لكنى لم اشعر بلحظه ندم . . لقد كان حبنا اقوى من ان يظل مطوياً تحت الغبار . . " ذهبت و الدتنا ! " . . هل إختفت الزوجه حقاً ؟ . . هل إنتصر الحب اخيراً ؟ . . اواهم انا ؟ . . ام ان عيناى ترقصان فرحاً و إنفعالاً . . أجننت انا ؟ . . ام انى حقاً سعيد بتلك النهايه ؟ . . لقد إنتصرت لكِ يا حبيبتى . . لا من زوجتى بل من الايام و السنين و الزمان . . اشعر بأنى و حيداً فى المنزل . . بل إن شئت الدقه فى الكون بآسره . . و لكنى لا ابالى بشىء سوى بصوت شاديه المنبعث من ( كاسيت ) الجيران : -

- " ده القلب يحب مره . . ما يحبش مرتين . . ما يحبش مرتين . . .

" تــــــــــــمـــــــــــت "






















Get free blog up and running in minutes with Blogsome
Theme designed by B A Khan

Pay Per Click Management
Pay Per Click Management
لافتة يوتوبيا مصرية أطلقوا سراح المدون المصري عبد الكريم